الصفحة 1187 من 35630

به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببصره إلى السماء فقال: (( ترون هذه الشمس، قالوا: نعم، قال: فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منه بشعلة ) ).

وفي رواية: (( والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار ) ).

فقال أبو طالب: ( والله ما كذب ابن أخي قط؛ فارجعوا راشدين) [11] .وصورة أخرى للمساومة تجلت في التلميح بالتهديد والإغراء في آن واحد، وذلك بتوعده، ثم إغرائه، وعرض المناصب والمال والنساء عليه، فأبى عليهم، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: اجتمعت قريش للنبي- صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: أما والله ما رأينا سخطة أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتّتّ أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرًا ، وأن في قريش كاهنًا، ما ينظر إلى مثل منيحة الحبلة بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرًا، وفي رواية ابن إسحاق: يا ابن أخي ! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد شرفًا سوّد ناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا) .

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أفرغت ؟ قال: نعم، قال فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) )حتى بلغ (( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) )فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا قال: (لا) )) [12] .

ومن أولئك غلام الأخدود، نعم إنه غلام !! لكنه ثبت في مواجة ذلك الحاكم الطاغية، وصدع بالحق، حتى أسلم الناس وآمنوا بربهم تبارك وتعالى، فقال الناس: آمنا برب الغلام .

صحيح أنهم قد دخلوا نارًا تلظى، لكن عذاب الدنيا أخف وأهون من عذاب الآخرة، وعذاب البشر أخف من عذاب الله سبحانه وتعالى .

وكذلك ثبت أتباع موسى لما أسلموا وتخلصوا من رق العبودية لفرعون فأصبحوا عبيدًا لله، وفازوا بالثواب العظيم من الرب الكريم.

(( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الشعراء:51،47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت