فهرس الكتاب
الابنة الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
نسأل الله العظيم أن يحفظك ويسدد خطاك، وأن يلهمنا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا.. وبعد،،،
فإن كراهيتك للكذب دليلٌ على سلامة فطرتك، وبرهانٌ على ما في نفسك من الحرص على الخير، فزادك الله حرصًا وتوفيقًا، وكثّر في فتياتنا من أمثالك.
وأرجو أن تعلمي أن مثل هذه الأم لا مصلحة في الشكوى لها، فاحرصي على بناء جسور الثقة مع أختك الصغرى، وقبّحي الكذب في عينها، ويبِّني لها أن {لعنة الله على الكاذبين} ، وأن المؤمنة لا يصلح أن تكون كذابة؛ لأن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الإنسان يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وكان العرب يكرهون الكذب حتى في جاهليتهم، ولذلك لما سُئل أبو سفيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أنني خشيت أن تؤثر عني كذبة لكذبت) فلم يكذب في شهادته مع شدة عداوته للرسول صلى الله عليه وسلم آنذاك، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علم عن أحد كذبة يتغير عليه حتى يعلم أنه أحدث توبة) .
ولست أدري كم هو عمر هذه الأخت! لأن الطفلة الصغيرة جدًا إذا أخبرت بخلاف الحقيقة فإن ذلك لا يسمى للوهلة الأولى كذبًا، ولكن مع التشجيع والضحك والاستحسان يعتاد الطفل على الكذب رغبةً في إضحاك الناس، أو طمعًا في الظهور، أو تعبيرًا عن الخلل في الجانب العاطفي، أو لينجو من العقوبة.
والإنسان لا يدخل معركة في كل الجبهات ويخسر الصديقات والأخوات ويُغضب الآباء والأمهات، ولكن عليك بالرفق فإنه يوصل إلى الخير، وما دخل في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه.
ولا بد من استخدام الحكمة مع الكبير والصغير، وعليك بإظهار الاحترام لوالديك؛ حتى يعرفوا أن الدين يهذب الإنسان، واجعلي نصحك لهم برفقٍ وأدب، واحرصي على رضاهما وإحسان صحبتهما في كل الأحوال، ونوصيك بالتدرج في الإصلاح؛ فإن الناس إذا حملناهم على الحق جملة رفضوه جملة، ولكن خطوة بعد أخرى، وتركيزًا على الجوانب الهامة مثل الصلاة وتلاوة القرآن وغرس شجرة الإيمان، وسوف تظهر بعد ذلك أطيب الثمار.
وعليك بالنصح لهم في السر؛ فإن النصيحة أمام الناس فضيحة يصعب على الإنسان قبولها، والشيطان يحرضه على الرفض ويدعوه للعناد والمكابرة، فلا تعيني الشطيان على أهلك، واختاري لنصحك أطيب الكلمات وأحسن اللحظات.
أما حجابك فحافظي عليه لأنه طاعة لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، وعليك بمساعدة هذه الأخت الصغيرة وملاطفتها حتى تكسبي جانبها، وقد تكون هي المفتاح إلى قلب والدتك، والدعوة إلى الله لا بد فيها من الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه الصحيح.