الصفحة 1514 من 35630

فما الذي جعلَ الرجلَ ممتازًا عن المرأة، وكلاهما متفقٌ في أصل التمايُز البشَري؟

إذًا فالأمر بينهما واحدٌ في أصلِ التمايزِ، وأما التفاوت في درجات ذاك التمايُز فهو زائد عن الأصل، وخارجٌ عن أصل ما أريده.

إذا عرفتِ ذلك؛ فهل من المعقولِ أن يكون في المجتمعِ نساءٌ لا يَنْظُرْنَ إلى أنفسهنَّ سوى النظرة (الدُّوْنِيَّة) ؟ بل من الرجال ـ أحيانًا كثيرة ـ من يكون هذا ديدنه.

العقلُ الذي وهبَه الله الإنسانَ ـ ذكرًا وأُنْثى ـ سبيلٌ مُعْتَبَرٌ لمعرفةِ الأشياء، وتبيينِ الصدق من الكذب، والحقيقة من الخيال.

إذًا فالخُطْوَةُ الأولى ـ وهي الأساس ـ أن تعرفَ (المرأة) أنها ذاتُ عقلٍ مُمَيِّزٍ، وهذه الخُطْوَةُ ليستْ من المجهولاتِ لدى المرأة وغيرها، وإنما ذكرها من باب: تحصيل الحاصل.

ثم إن (المرأة) لها نفسٌ تستشرفُ شيئًا تناله، وتبتغي أمرًا ترجو بلوغَه، وهذا ـ بِحَدِّ ذاته ـ كافٍ لكونها متأهلَةٌ لصناعةِ نفسها، أما أن تكون غيرَ راغبةٍ في شيء من الأمور العوالي، ولا طموحةٍ إلى منتهى الكمالات، فإنها ستحتضنُ التراب لصيقًا لهمتها، وبيت العنكبوت معشوقًا لإرادتها؛ وحيثُ كانتْ فاقدةً للسعي وراءَ ذلك فإنها مُطالَبَةٌ بتحصيل أسباب نوالِه، إذ التَطلُّعُ للشيء العالي من أهم مَيْزَات العقل.

والسَعْيُ نحوَ الكمالِ ميسورٌ سهلٌ ـ ولله الحمد ـ فليس صعبًا لا يُنالُ إلا بشقِّ الأنْفس، ولا غاليًا باهظَ الثمن؛ وأصلُ ذلك: معرفةُ (المرأة) قُدْرَةَ نفسها و عقلها نحو الأشياء التي تريدها، والبداية بعزمٍ وحزمٍ في المقصود.

وهذه هي الخُطْوَةُ الثانية في عمليةِ (صناعة المرأة) , وهي: أن تكون ذات طموحٍ وهمةٍ نحو الكمال.

والهِمَّةُ إنما تكونُ في سعايةٍ نحوَ أمرٍ مطلوبٍ معروف، تَطْمَحُ المرأةُ في الوصولِ إليه، بل تجنح إلى سلوك أسباب تحصيلِه.

وعدَمُ سَعْيِها نحوَ أمْرٍ ترْنُوْ إليهِ هو سعي نحو مجهولٍ، والمجهولُ ليسَ بشيء، وسَعْيُها نحو غايةٍ يَشُوْبُها غَبَشٌ سعي في ظلامٍ بلا نورٍ.

إن المرأة الراغبَةِ في صناعة نفسها لابدَّ لها من تحديد معالمَ ما ترغبُ الوصولَ إليه بِحُداءِ الهمة، وترانيم الإرادة.

والغاياتُ التي تريدُها أغلبُ النساء ـ في سبيل الإصلاحِ ـ نوعان:

الأول: غايةٌ عِلْمِيَّةٌ.

فالعلمُ أسمىَ غايةٍ سَعَتْ المرأة في نوالِه، وأشرف مقصد رَغِبَتْ في تحصيلِه، وهو غايةُ الكمال البشري، والجهْلُ من أدنى صفاتِ الإنسان، بل يَشْرُفُ المخلُوْقُ بما عنده من علمٍ وبما أُوْتِيْهِ من معرفة، وهذه الغايةُ متفاوتةٌ، فهي قسمان:

الأول: غايةٌ أصْلٌ واجبةٌ حَتْمِيَّةٌ، و هي تحصيلُ المرأة ما هو واجبٌ عليها من علمٍ في دِيْنِ الله ـ تعالى ـ.

و هذا الواجبُ يندرجُ تحتَه شيئان:

أولهما: ما يكون به تحصيلُ أصْلِ الدين، وهذا في تَحْصِيْلِ أصولِ الإيمان الستة المذكوْرَةِ في حديثِ جبريلَ المشهور"... قال: يا محمد: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمنَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت