الصفحة 163 من 35630

[حُجَجُ مَنْ لَمْ يَرَ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ ]

وَاحْتَجّ مَنْ لَمْ يَرَ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتَاهُ اللّهُ لَا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلّا مَا آتَاهَا } [ الطّلَاقَ 7 ] قَالُوا: وَإِذَا لَمْ يُكَلّفْهُ اللّهُ النّفَقَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ تَرَكَ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلتّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُبّهِ وَسَكَنِهِ وَتَعْذِيبِهِ بِذَلِكَ . قَالُوا: وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَوَجَدَاهُ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النّفَقَةَ فَقُمْتُ إلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ هُنّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النّفَقَةَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا وَقَامَ عُمَرُ إلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا كِلَاهُمَا يَقُولُ تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَقُلْنَ وَاَللّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْئًا أَبَدًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ثُمّ اعْتَزَلَهُنّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهْرًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . - 463 قَالُوا: فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا يَضْرِبَانِ ابْنَتَيْهِمَا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ سَأَلَاهُ نَفَقَةً لَا يَجِدُهَا . وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ

يَضْرِبَا طَالِبَتَيْنِ لِلْحَقّ وَيُقِرّهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى ذَلِكَ فَدَلّ عَلَى أَنّهُ لَا حَقّ لَهُمَا فِيمَا طَلَبَتَاهُ مِنْ النّفَقَةِ فِي حَالِ الْإِعْسَارِ وَإِذَا كَانَ طَلَبُهُمَا لَهَا بَاطِلًا فَكَيْفَ تُمَكّنُ الْمَرْأَةُ مِنْ فَسْخِ النّكَاحِ بِعَدَمِ مَا لَيْسَ لَهَا طَلَبُهُ وَلَا يَحِلّ لَهَا وَقَدْ أَمَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ صَاحِبَ الدّيْنِ أَنْ يُنْظِرَ الْمُعْسِرَ إلَى الْمَيْسَرَةِ وَغَايَةُ النّفَقَةِ أَنْ تَكُونَ دَيْنًا وَالْمَرْأَةُ مَأْمُورَةٌ بِإِنْظَارِ الزّوْجِ إلَى الْمَيْسَرَةِ بِنَصّ الْقُرْآنِ هَذَا إنْ قِيلَ تَثْبُتُ فِي ذِمّةِ الزّوْجِ وَإِنْ قِيلَ تَسْقُطُ بِمُضِيّ الزّمَانِ فَالْفَسْخُ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ . قَالُوا: فَاَللّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقّ الصّبْرَ عَلَى الْمُعْسِرِ وَنَدَبَهُ إلَى الصّدَقَةِ بِتَرْكِ حَقّهِ وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَجَوْرٌ لَمْ يُبِحْهُ لَهُ وَنَحْنُ نَقُولُ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى لَهَا سَوَاءً بِسَوَاءِ إمّا أَنْ تُنْظِرِيهِ إلَى الْمَيْسَرَةِ وَإِمّا أَنْ تَصّدّقِي وَلَا حَقّ لَكِ فِيمَا عَدَا هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ . قَالُوا وَلَمْ يَزَلْ فِي الصّحَابَةِ الْمُعْسِرُ وَالْمُوسِرُ وَكَانَ مُعْسِرُوهُمْ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مُوسِرِيهِمْ فَمَا مَكّنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَطّ امْرَأَةً وَاحِدَةً مِنْ الْفَسْخِ بِإِعْسَارِ زَوْجِهَا وَلَا أَعْلَمَهَا أَنّ الْفَسْخَ حَقّ لَهَا فَإِنْ شَاءَتْ صَبَرَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَسَخَتْ وَهُوَ يُشَرّعُ الْأَحْكَامَ عَنْ اللّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ فَهَبْ أَنّ الْأَزْوَاجَ تَرَكْنَ حَقّهُنّ أَفَمَا كَانَ فِيهِنّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ تُطَالِبُ بِحَقّهَا وَهَؤُلَاءِ

نِسَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يُطَالِبْنَهُ بِالنّفَقَةِ حَتّى أَغْضَبْنَهُ وَحَلَفَ أَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِنّ شَهْرًا مِنْ شِدّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنّ فَلَوْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَقِرّ فِي شَرْعِهِ أَنّ الْمَرْأَةَ تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِإِعْسَارِ زَوْجِهَا لَرُفِعَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ رُفِعَ إلَيْهِ مَا ضَرُورَتُهُ دُونَ ضَرُورَةِ فَقْدِ النّفَقَةِ مِنْ فَقْدِ النّكَاحِ وَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إنّي نَكَحْتُ بَعْدَ رِفَاعَةَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ الزّبَيْرِ وَإِنّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثّوْبِ . تُرِيدُ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ هَذَا كَانَ فِيهِمْ فِي - 464 غَايَةِ النّدْرَةِ بِالنّسْبَةِ إلَى الْإِعْسَارِ فَمَا طَلَبَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِالْإِعْسَارِ . قَالُوا: وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ الْفَقْرَ وَالْغِنَى مَطِيّتَيْنِ لِلْعِبَادِ فَيَفْتَقِرُ الرّجُلُ الْوَقْتَ وَيَسْتَغْنِي الْوَقْتَ فَلَوْ كَانَ كُلّ مَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت