الصفحة 1665 من 35630

8-اجتناب الذنوب والمعاصي: فإذا أراد المسلم أن يكون مما ينال شرف مناجاة الله تعالى ، والأنس بذكره في ظلم الليل ، فليحذر الذنوب ، فإنه لا يُوفّق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي ، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء ؟ فقال: لا تعصه بالنهار ، وهو يُقيمك بين يديه في الليل ، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف ، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف . وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد: إني أبِيت معافى ، وأحب قيام الليل ، وأعِدّ طهوري ، فما بالي لا أقوم ؟ فقال الحسن: ذنوبك قيدتْك . وقال رحمه الله: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل ، وصيام النهار . وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل ، وصيام النهار ، فأعلم أنك محروم مكبّل ، كبلتك خطيئتك .

9-محاسبة النفس وتوبيخها على ترك القيام: فمحاسبة النفس من شعار الصالحين ، وسمات الصادقين قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) . قال الإمام ابن القيم: فإذا كان العبد مسئولًا ومحاسبًا على كل شيء حتى على سمعه وبصره وقلبه كما قال تعالى: ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا ) فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب .

وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى ، وتجعله قادرًا على التغلب على مغريات الحياة الفانية ، وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات ، ونامت العيون وتقلب النّوام على الفرش . ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة ، وسمات النفوس الكبيرة ، وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى: ( أمّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) .

وقيام الليل سنة مؤكدة حث النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها بقوله:"عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، ومقربة إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم مطردة للداء عن الجسد"رواه الترمذي وأحمد .

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل"، وقد حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل ، ولم يتركه سفرًا ولا حضرًا ، وقام صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تفطّرت قدماه ، فقيل له في ذلك فقال:"أفلا أكون عبدًا شكورًا"متفق عليه .

وهكذا كان حال السلف الكرام عليه رحمة الله تعالى ؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور . وقال أحمد بن حرب: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزيّن فوقه ، والنار تضرم تحته ، كيف نام بينهما . وكان عمر بن ذر إذا نظر إلى الليل قد أقبل قال: جاء الليل ، وللّيل مهابة ، والله أحق أن يهاب ، ولذا قال الفضيل بن عياض: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ ، قومي خذي حظك من الآخرة . وقال الحسن: ما نعلم عملًا أشد من مكابدة الليل ، ونفقة المال ، فقيل له: ما بال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت