وخالف في ذلك الحنابلة في الرّواية المشهورة ، فقالوا: الإيلاء لا يكون إلاّ بالحلف باللّه تعالى ، أمّا تعليق الطّلاق أو العتق أو المشي إلى بيت اللّه تعالى على قربان الزّوجة فإنّه لا يكون إيلاءً ، لأنّ الإيلاء قسم ، والتّعليق لا يسمّى قسمًا شرعًا ولا لغةً ، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ، ولا يجاب بجوابه ، ولا يذكره أهل العربيّة في باب القسم ، وعلى هذا لا يكون إيلاءً.
وحجّة الحنفيّة ومن وافقهم: أنّ تعليق ما يشقّ على النّفس يمنع من قربان الزّوجة خوفًا من وجوبه ، فيكون إيلاءً كالحلف باللّه تعالى ، والتّعليق - وإن كان لا يسمّى قسمًا شرعًا ولغةً - ولكنّه يسمّى حلفًا عرفًا.
ومذهب الحنفيّة أنّ الإيلاء يكون بالحلف على ترك قربان الزّوجة أربعة أشهرٍ أو أكثر.
وذهب الجمهور المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الإيلاء لا يكون إلاّ بالحلف على ترك قربان الزّوجة أكثر من أربعة أشهرٍ ، وسيأتي ذكر هذه الآراء وأدلّتها في الكلام عن مدّة الإيلاء.
2 -والحكمة في موقف الشّريعة الإسلاميّة من الإيلاء هذا الموقف: أنّ هجر الزّوجة قد يكون من وسائل تأديبها ، كما إذا أهملت في شأن بيتها أو معاملة زوجها ، أو غير ذلك من الأمور الّتي تستدعي هجرها ، علّها تثوب إلى رشدها ويستقيم حالها ، فيحتاج الرّجل في مثل هذه الحالات إلى الإيلاء ، يقوّي به عزمه على ترك قربان زوجته تأديبًا لها ورغبةً في إصلاحها ، أو لغير ذلك من الأغراض المشروعة.
فلهذا لم تبطل الشّريعة الإسلاميّة الإيلاء جملةً ، بل أبقته مشروعًا في أصله ، ليمكن الالتجاء إليه عند الحاجة.
«ركن الإيلاء»
3 -ركن الإيلاء الّذي يتوقّف تحقّق الإيلاء على وجوده هو: اللّفظ ، أو ما يقوم مقام اللّفظ على التّفصيل والخلاف المتقدّم.
والّذي يقوم مقام اللّفظ: الكتابة المستبينة ، وهي الكتابة الظّاهرة الّتي يبقى أثرها ، كالكتابة على الورق ونحوه.
أمّا الكتابة غير المستبينة ، وهي الّتي لا يبقى أثرها ، كالكتابة على الهواء ، أو على الماء فلا تقوم مقام اللّفظ في ذلك ، ولا يصحّ بها الإيلاء.
ومثل الكتابة في ذلك الإشارة عند العجز عن النّطق بالعبارة ، كالأخرس ومن في حكمه.
فإذا كان للأخرس إشارة مفهمة ، يعرف المتّصلون به أنّ المراد بها الحلف على الامتناع من قربان الزّوجة أربعة أشهرٍ أو أكثر ، صحّ الإيلاء بها ، كما يصحّ طلاقه وسائر تصرّفاته.
«شرائط الإيلاء»
4 -شرائط الإيلاء كثيرة ومتنوّعة ، منها ما يشترط في ركن الإيلاء ، ومنها ما يشترط في الرّجل والمرأة معًا ، ومنها ما يشترط في الرّجل المولي ، ومنها ما يشترط في المدّة المحلوف عليها.