وألاّ تكون مشتملةً على أداةٍ من الأدوات الدّالّة على التّأخير والتّسويف ، كحرف السّين أو سوف ، لأنّ التّردّد كالرّفض من حيث الحكم ، والتّأخير وعد بإنشاء التّصرّف في المستقبل ، وليس إنشاءً له في الحال ، فالإرادة في التّصرّف غير موجودةٍ في الحال ، ولا يوجد التّصرّف إلاّ بإرادة إنشائه في الحال.
فمن يقول لزوجته: واللّه سأمنع نفسي من مواقعتك ، أو سوف أمنع نفسي من معاشرتك ، لا يكون موليًا لأنّ هذه الصّيغة لا تدلّ على إرادة منع نفسه من المواقعة في الحال ، وإنّما تدلّ على أنّه سيفعل ذلك في المستقبل.
هذا ، وممّا ينبغي التّنبيه له هنا أنّ اشتراط الجزم في الإرادة للحال لا ينافي جواز أن تكون الصّيغة معلّقةً على حصول أمرٍ في المستقبل ، أو مضافةً إلى زمنٍ مستقبلٍ ، وذلك لأنّ الإرادة في الإيلاء المعلّق والمضاف مقطوع بها ، لا تردّد فيها ، غاية الأمر أنّ الإيلاء المعلّق لم يحصل الجزم به من قبل المولي في الحال ، بل عند وجود المعلّق عليه ، والإيلاء المضاف مجزوم به في الحال ، غير أنّ ابتداء حكمه مؤخّر إلى الوقت الّذي أضيف إليه ، وأنّ التّعليق والإضافة قد صدرا بإرادةٍ جازمةٍ في الحال.
«الشّريطة الثّالثة: صدور التّعبير عن قصدٍ»
7 -يتحقّق هذا الشّرط بإرادة الزّوج النّطق بالعبارة الدّالّة على الإيلاء أو ما يقوم مقامها ، فإذا اجتمع مع هذه الإرادة رغبة في الإيلاء وارتياح إليه كان الإيلاء صادرًا عن رضًى واختيارٍ صحيحٍ ، وإن وجدت الإرادة فقط ، وانتفت الرّغبة في الإيلاء والارتياح إليه لم يتحقّق الرّضى ، وذلك كأن يكون الزّوج مكرهًا على الإيلاء من زوجته بتهديده بالقتل أو الضّرب الشّديد أو الحبس المديد ، فيصدر عنه الإيلاء خوفًا من وقوع ما هدّد به لو امتنع ، فإنّ صدور الصّيغة من الزّوج في هذه الحال يكون عن قصدٍ وإرادةٍ ، لكن ليس عن رضًى واختيارٍ صحيحٍ.
والإيلاء في هذه الحال - حال الإكراه - غير صحيحٍ عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، مستندين في ذلك إلى ما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ، وإلى حديث عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « لا طلاق ولا عتاق في إغلاقٍ » والإغلاق: الإكراه ، لأنّ المكره يغلق عليه أمره ، ويقفل عليه رأيه وقصده ، وإلى أنّ المكره يحمل على النّطق بالعبارة بغير حقٍّ فلا يترتّب عليها حكم ، كنطقه بكلمة الكفر إذا أكره عليها.
أمّا عند الحنفيّة فإيلاء المكره معتبر ، وتترتّب عليه آثاره الّتي سيأتي بيانها ، لأنّ الإيلاء عندهم من التّصرّفات الّتي تصحّ مع الإكراه ، نصّوا على ذلك في باب الأيمان والطّلاق ، وأنّ الإيلاء يمين في أوّل الأمر ، وطلاق باعتبار المال ، فينطبق عليه ما يقرّر في بابي الأيمان والطّلاق.
وقد استندوا في ذلك إلى قياس المكره على الهازل ، لأنّ كلًّا منهما تصدر عنه صيغة التّصرّف عن قصدٍ واختيارٍ ، لكنّه لا يريد حكمها ، وطلاق الهازل ويمينه معتبران ، فكذلك المكره.