الصفحة 176 من 35630

8 -ولو صدرت صيغة الإيلاء من الزّوج ، لكنّه لم يرد موجبها ، بل أراد اللّهو واللّعب - وهذا هو الهازل - فإنّ الإيلاء يكون معتبرًا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وغيرهم من أهل العلم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « ثلاث جدّهنّ جدّ ، وهزلهنّ جدّ: النّكاح والطّلاق والرّجعة » ولأنّ الهازل قاصد للسّبب ، وهو الصّيغة غير ملتزمٍ لحكمه ، وأنّ ترتّب الأحكام على أسبابها موكول إلى الشّارع لا إلى المتصرّف.

9 -ولو أراد الزّوج أن يتكلّم بغير الإيلاء ، فجرى على لسانه الإيلاء من غير قصدٍ أصلًا - وهو المخطئ - فمذهب الشّافعيّة والحنابلة عدم اعتبار إيلاء المخطئ ، لأنّ التّصرّف إنّما يعتبر إذا قصد اللّفظ الّذي يدلّ عليه وأريد حكمه الّذي يترتّب عليه ، أو قصد اللّفظ وإن لم يرد حكمه ، والمخطئ.

لم يقصد اللّفظ الدّالّ على الإيلاء ولا حكمه ، فلا يكون الإيلاء الصّادر منه معتبرًا.

وذهب الحنفيّة في المخطئ إلى أنّ إيلاءه لا يعتبر ديانةً ، ويعتبر قضاءً.

ومعنى اعتباره في القضاء دون الدّيانة: أنّه إذا لم يعلم بالإيلاء إلاّ الزّوج ، كان له أن يعاشر زوجته من غير حرجٍ ولا كفّارة عليه في ذلك ، وإذا مضت مدّة الإيلاء لا يقع الطّلاق ، وإذا سأل فقيهًا عمّا صدر منه جاز له أن يفتيه بأن لا شيء عليه ، متى علم صدقه فيما يقول.

فإذا تنازع الزّوجان ورفع الأمر إلى القاضي حكم بلزوم الكفّارة بالحنث إذا اتّصل بزوجته قبل مضيّ المدّة ، وبوقوع الطّلاق إذا مضت المدّة بدون معاشرةٍ ، كما هو مذهب الحنفيّة ، لأنّ القاضي يبني أحكامه على الظّاهر ، واللّه يتولّى السّرائر.

ولو قبل في القضاء دعوى أنّ ما جرى على لسانه لم يكن مقصودًا ، وإنّما المقصود شيء آخر لا نفتح الباب أمام المحتالين الّذين يقصدون النّطق بالصّيغة الدّالّة على الإيلاء ، ثمّ يدّعون أنّه سبق لسانٍ.

ويرى المالكيّة - كما يؤخذ من كلامهم في الطّلاق - أنّه إذا ثبت أنّ الزّوج لم يقصد النّطق بصيغة الإيلاء ، بل قصد أن يتكلّم بغير الإيلاء ، فزلّ لسانه ، وتكلّم بالصّيغة الدّالّة على الإيلاء لا يكون إيلاءً في القضاء ، كما لا يكون إيلاءً في الدّيانة والفتوى.

ويتّضح ممّا تقدّم الفرق بين الخطأ: والهزل والإكراه ، وهو أنّه في الخطأ لا تكون العبارة الّتي نطق بها الزّوج مقصودةً أصلًا ، بل المقصود عبارة أخرى ، وصدرت هذه بدلًا عنها.

وفي الهزل: تكون العبارة مقصودةً ، لأنّها برضى الزّوج واختياره ، ولكن حكمها لا يكون مقصودًا ، لأنّ الزّوج لا يريد هذا الحكم ، بل يريد شيئًا آخر هو اللّهو واللّعب.

وفي الإكراه: تكون العبارة صادرةً عن قصدٍ واختيارٍ ، ولكنّه اختيار غير سليمٍ ، لوجود الإكراه ، وهو يؤثّر في الإرادة ، ويجعلها لا تختار ما ترغب فيه وترتاح إليه ، بل تختار ما يدفع الأذى والضّرر.

«أحوال صيغة الإيلاء»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت