فهرس الكتاب
أضيف شيئًا إذا ما تحدَّثت عن الحجاب فلو جُمِع ما كُتِب في أمره لأقام بنايةً شاهقة، ولن تجد صعوبةً في الحصول -من هذه المؤلَّفات- على بغيتك، ولكنَّني أذكر أمرين منها فقط، لأنَّهما يجدِّدان -دائمًا- الإحساس بالحجاب لا كأمرٍ مفروض وكفى، بل كمفردةٍ في منظومةٍ كاملةٍ لهذا الدين:
أولهما: أنَّه إعلان موقف"طاعة"شأنه شأن العبادات التي ظاهرها المشقَّة والتقييد، وباطنها الرحمة والتحرُّر من سلطان البشر والشهوة، والحجاب في هذا الإطار لا يُعدُّ بضعة أشياء زائدة، بل سمتٌ وخصوصيَّةٌ لها ديمومتها التي لا تتغيَّر مع حوادث البدع.
ثانيهما: أنَّني ما أمعنت النظر في مسألة الحجاب إلا وجدتُّها غاية التكريم للإنسان عامَّة، وللمرأة على وجه الخصوص، بما استقرَّ له من أثرٍ في صون العفَّة، وفي الضبط الاجتماعيّ، فالحجاب فرضٌ على المرأة حينما تخرج للمجتمع تحديدًا لأنوثتها، وإبرازًا لحقيقة تكليفها شأنها شأن الرجل كما في قوله تعالى:"من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحييَّنَّه حياةً طيبةً ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"، هذا التكليف الذي أوجد لها مكانًا معلومًا في مدرسة النبوَّة، فهي: تصلِّي في المسجد، وتحضر دروس العلم، وتسافر مع الرجال إلى مسافات الجهاد، وتخدم الجرحى وتسقي الماء، هذا المناخ الذي توافر للجميع حتى جعل من بينهنَّ من قدَّمت نماذج في مختلف المجالات: في ساحات العلم فتظهر عائشة تتفقَّه وتروي وتحدِّث، وتظهر في ميادين الجهاد نسبية بنت كعب تحمل السلاح وتذود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحنكة والسياسة كما فعلت أمُّ سلمة حين أشارت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يحلق يوم الحديبية.
وهذا كلُّه لم يمنع أن تكون داخل بيتها الزوجة المحبَّة، والأنثى الرقيقة، التي تبدي زينتها، وتتفنَّن لتصير لزوجها سكنا، ويكون لها كذلك وهي الابنة أن تنعم بين محارمها بتدلُّلها الحييِّ وبالحرِّيَّة والأمان معا.
أمَّا حينما نتخلَّى عن هذا التكريم فسيظهر -كما اتضَّح لنا- أشدُّ أنواع العنف ضدَّ المرأة فيما يُظَنُّ أنَّه موضع تحرُّرٍ من القيود، إذ تتوه المعايير التي تحدِّد قيمة ما تؤدِّيه من تكليفاتٍ لهذا المجتمع، وتعامَل كسلعةٍ قابلة للاستهلاك، وهو أمرٌ يستدعي الإشفاق أكثر ممَّا يستدعي السخط على من يُقدِم عليه.
هذا آخر ما أردت أن ألقي الضوء عليه، ودعنا نقول: إنَّه في ظلِّ حكمة هذا الشرع الكريم، اسمح لي أن نخرج من هذه المساحة التي نتَّفق بشأنها إلى مساحة مراجعةٍ لخطابك بل لخطابنا في مناخ مَن يُعرَفون بـ"الملتزمين"أو مَن في طريقهم لذلك، ولا تظنَّني أخصُّك بهذا الحديث فأنا أعلم أنَّك لا تقصد ذلك، وإنَّما هي دعوةٌ كي نُراجع مقولاتنا جميعا، فإنَّ ما أثار هذا الأمر هو حرصك الواضح في رسالتك على مناقشة أمر شكل حجاب خطيبتك، ذلك أنَّنا قد وضعنا في خطابنا للمرأة تحديدًا مركزيَّةً شديدةً لمسألة الحجاب، وما مراجعتي لهذا الأمر إنكارًا لضرورته أو تهميشًا لأمره، أبدا، إنَّما رغبةً في أن ننظر لمنظومة القيم التي اشتملت على الحجاب، وجاءت -كما أسلفت- لتنفذ إلى القلب والعقل معا، منظومةٍ ضمنت العدل والحقَّ والعفَّة وحسن الخُلُق ونظافة اليد.