فهرس الكتاب
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ ذِي قَبْلٍ , فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ , ثُمَّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِنْ وَطِئَهَا سَقَطَ الإِيلاَءُ , وَإِلَّا عَادَ عَلَيْهِ التَّوْقِيفُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ , ثُمَّ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ , وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ زَوْجٍ.
قال علي: وهذا قَوْلٌ فَاسِدٌ , لأََنَّهُ يُصَيِّرُ التَّوْقِيفَ فِي الإِيلاَءِ بِلاَ شَكٍّ عَامًا كَامِلًا , وَهَذَا خِلاَفُ الْقُرْآنِ , وَإِذَا بَطَلَ التَّوْقِيفُ بَطَلَ الإِيلاَءُ الَّذِي أَوْجَبَهُ بِلاَ شَكٍّ.
وقال مالك: لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا , فَإِنْ وَطِئَهَا سَقَطَ عَنْهُ الإِيلاَءُ , وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا بَانَتْ عَنْهُ عِنْدَ تَمَامِ عِدَّتِهَا مِنْ طَلاَقِ الْحَاكِمِ.
قال أبو محمد رحمه الله: وَهَذَا كَلاَمٌ لاَ نَدْرِي كَيْفَ قَالَهُ قَائِلهُ إذْ لَيْسَ فِي الْبَاطِلِ أَكْثَرُ مِنْ إجَازَةِ كَوْنِ امْرَأَةٍ فِي عِصْمَةِ زَوْجٍ صَحِيحِ الزَّوْجِيَّةِ , وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلاَقِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ , وَمَا نَعْلَمُ فِي أَيِّ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وُجِدَ هَذَا وَاعْلَمُوا أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ , وَلاَ قَالَهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ إِلاَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِتَقْلِيدِهِ , ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ الَّذِي اتَّبَعَهُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ: مِنْ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ , لَمْ يُحْفَظْ قَطُّ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ , وَلِلسُّنَنِ كُلِّهَا , وَلِلْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَجَعَلَ عَزِيمَةَ الطَّلاَقِ إلَى الزَّوْجِ الْمُؤْلِي لاَ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا. فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُطَلِّقَ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ , لاَ حَاكِمٌ ، وَلاَ غَيْرُ حَاكِمٍ.
وَأَمَّا السُّنَنُ فَإِنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ فِي مَوَاضِعَ مَعْرُوفَةٍ بِفَسْخِ النِّكَاحِ ,
وَأَمَّا بِطَلاَقِ أَحَدٍ ، عَنْ غَيْرِهِ فَلاَ أَصْلًا , وَكُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا كَلِمَةٌ , فَإِنَّمَا قَالَ بِقَوْلِنَا إمَّا أَنْ يَفِيءَ ,
وَأَمَّا أَنْ يُطَلِّقَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَيُّهُمَا شَاءَ ، وَلاَ بُدَّ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلاَ أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَجَازُوا أَنْ يُطَلِّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُؤْلِي وَلَمْ يُجِيزُوا أَنْ يَفِيءَ عَنْهُ ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ قَالُوا: لاَ يَحِلُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَحِلَّ فَرْجَ امْرَأَةِ سِوَاهُ فَيَكُونُ زِنًى
قلنا لَهُ: وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُبِيحَ فَرْجَ امْرَأَةِ سِوَاهُ لِغَيْرِ زَوْجِهَا بِأَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ إبَاحَةً لِلزِّنَا ، وَلاَ فَرْقَ.
فَإِنْ قَالُوا: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ
قلنا: وَلاَ فَرْقَ , وَمَا أَجَزْنَا قَطُّ أَنْ يَفْسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ فِي الْعَالَمِ ، عَنْ زَوْجِهَا , وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا
قلنا: كُلُّ نِكَاحٍ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ , أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَسْخَهُ: فَهُوَ مَفْسُوخٌ , سَوَاءً أَحَبَّ الْحَاكِمُ ذَلِكَ أَوْ كَرِهَهُ , وَلاَ مَدْخَلَ لِلْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ , وَلاَ رَأْيَ لَهُ فِيهِ , إنَّمَا الْحَاكِمُ مُنَفِّذٌ بِقُوَّةِ سُلْطَانِهِ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم وَمَانِعٌ مِنْ الْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , وَلاَ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم فَقَطْ , وَكُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ مِمَّا عَدَا مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا.