فهرس الكتاب
(فإنْ أَرْضَعْنَ لكم فآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ) (الطلاق: 6) وعلى الأم أن تعطيَه من حنانها وعُمْق مشاعرها ودفء عاطفتها والعناية بشؤونه ما يُنَشِّئُه النشأة السوية الصالحة، وما يجعله نافعًا لدينه ودنياه ويبتعد به عن التعقيدات النفسية والرواسب المعنوية.
ولا ينبغي أن يُحْتَجَّ بحق الأب على حق الأم؛ لأن لكل منهما ولايةً لها مجالها واختصاصها ونطاقها التي تَعمل فيه، فلا تَعارُضَ بينهما، فالحَضانة امتزاج واتصال ومعايشة بين الأم ووليدها، والولاية على النفس امتداد بالوسائل التي فيها قِوام الحياة وإشراف وملاحظة بما للأب من قدرات تُخَوِّل له ذلك، فضلًا عن أن الحَضانة تكون في السنين الأولى التي تَعْقُب الولادة فهي تكون في سِنِّ الطفولة، والولاية وإن تزامَنَت معها فإنها تمتد إلى سنّ النمو البدنيّ والعقليّ حتى تنتهيَ بالطفل إلى سن البلوغ والرشد، فبينهما تَوَاصُل وتَكَامُل لا تباعُد وتنافُر، فليست إحداهما في مواجهة الأخرى بحيث لا يتأتى القيام بإحداهما إلا بالتضحية بالأخرى.
وإذا كانت الحاضنة غيرَ مُعْتَدَّة من طلاق ولا زَوْجِيَّتُها قائمة فإن الحاضنة إذا كانت أمًّا فلها أن تَخرج إلى بلدها الذي يكون فيه أهلها وقد عُقِدَ زواجها من أبي الطفل فيه؛ لأن رضاه بالعقد فيه دليل ضمنيّ على أنه يَرضى لنفسه ولولده الإقامة فيه.
وبما أنه قد ارتضى الإقامة في وطنها ووقر في ذهنه ما يترتب على ذلك من آثار، وهَيَّأ نفسَه معنويًّا لذلك، وافترض كلَّ احتمال، كتَمَسُّك الزوجة بمُوجَب عقد الزواج بعدم تركها لوطنها والنزوح إلى بلد زوجها، فإذا امتنعت عن إجابة مَطلبه من الإقامة في وطنه هي وأطفالها كان لها الحق في ذلك، وليس لها أن تنتقل إلى بلد لم يكن عقد زواجها فيه، أو لم يكن بَلَدَها إلا برضا الأب وليّ الصغير، كذلك ليس لها أن تنتقل به إلى بلدها إذا لم يكن عُقِدَ عليها فيه، ولا إلى البلد الذي عُقِدَ عليها فيه إذا لم يكن في الأصل بلدها"الأحوال الشخصية للإمام أبي زهرة ص 412".
وإذا كان الذي يريد أن يسافر بالصغير أباه، فإن كانت حاضنته هي أمه أو غيرها فليس له أن يخرج به عن البلد الذي تقيم فيه حاضنته؛ لأن في خروجه بالصغير من بلد الحاضنة تفويتَ حقها في حضانته وتفويتَ حق الصغير بحرمانه من حنان الحَضانة.
نعم، لو سقط حق أمه في حضانته، بأن تزوجت أجنبيًّا عنه، أو زالت عنها الشروط الشرعية للحَضانة، ولم يكن في البلد الذي تقيم فيه امرأة من محارم الصغير تَصْلُح للحَضانة، كان لأبي الصغير أن يخرج به من البلد الذي تقيم فيه أمه إلى البلد الذي تقيم فيه مَن ينتقل إليها حق حضانته شرعًا.
ومتى زال السبب الذي من أجله سَقَطَ حقُّ أم الصغير في حَضانته وجب على الأب أن يُعيدَه إليها في المكان الذي تقيم فيه"الأحوال الشخصية، محيى الدين عبد الحميد ص 405".
وفي موضوع السؤال، بما أن الخلاف قد دَبَّ بين طرفي هذه الأسرة واستمسك كلُّ طرف بمبادئه ولم ينزل أي منهما على رأي الآخر، فلا يجوز شرعًا للأب الافتياتُ والتعدّي على حق الأم الحاضنة وسَلْبُ حضانتها عن مَحْضونها الشرعيّ بأية وسيلة من الوسائل غيرِ المشروعة، كالهرب به من موطن الزوجة إلى بلد آخر غيره أو خطفه، لأن هذا المسلك المَعيب لا يقوم عليه دليل ولا تقوم به حُجَّة، ولأن فيه