فهرس الكتاب
الحلف بالعتق ونحوه لا بالطلاق، فإنه صرح في العديد من المواضع أن الحلف بالطلاق لم يكن في عهد الصحابة، قال رحمه الله: ولم ينقل عن الصحابة شيء في الحلف بالطلاق فيما بلغنا بعد كثرة البحث وتتبع كتب المتقدمين والمتأخرين بل المنقول عنهم إما ضعيف بل كذب من جهة النقل، وإما أن لا يكون دليلًا على الحلف بالطلاق، فإن الناس لم يكونوا يحلفون بالطلاق على عهدهم ولكن نقل عن طائفة منهم في الحلف بالعتق أن يجزيه كفارة يمين. اهـ (المجموع 32/85) .
فهذا النقل يبين أنه رحمه الله قد أدخل الحلف بالطلاق في النوع الثاني من الأيمان قياسًا له على الحلف بالعتق، لا لأنه مأثور عن الصحابة.
وأما كونه رحمه الله قد عد الحلف بالطلاق من أيمان المسلمين، فالذي يظهر أنه قصد بذلك أن الحلف بالطلاق من الأيمان التي يحلف بها المسلمون، سواء كانت مشروعة أم لا، ولذا قال: وإنما غرضي هنا حصر الأيمان التي يحلف بها المسلمون. اهـ (المجموع 35/243) ، ومع ذلك فقد تعقب الإمام السبكي شيخ الإسلام في عده الحلف بالطلاق من أيمان المسلمين، فقال: قول القائل: أيمان المسلمين، إما أن يراد بها ما شرع للمسلمين الحلف بها أو ما يتعارف المسلمون الحلف به وجرت عادتهم به ، فإن أريد الأول فاليمين بالطلاق والعتاق لم يشرع للمسلمين الحلف بها، بل هي منهي عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. وإن أريد به ما يتعارفه المسلمون وجرت عادتهم بالحلف به فاليمين بالطلاق والعتاق لم تجر عادة المسلمين حين الأول (هكذا في الكتاب ولعلها حين العصر الأول) ، ولا في زمنه صلى الله عليه وسلم بالحلف بها وهو قد سلم، فكيف يقول إنها داخلة في أيمان المسلمين ويحتج بعرف طارئ بعد النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعين سنة؟
وأما قوله: فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله، فإنه أوضح مراده بذلك فقال: فإنه إذا قال إن فعلت كذا فعلي الحج فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى وهو من صفاته وكذلك لو قال فعلي تحرير رقبة وإذا قال فامرأتي طالق وعبدي حر فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أن الإيجاب من صفات الله. اهـ (المجموع 35/273) .
وليس في ذلك ما يدل على مشروعية الحلف بالطلاق، فإن الحالف بالظهار على ما قرره الشيخ حالف بصفات الله أيضًا، ومع ذلك فقد سمى الله الظهار منكرًا من القول وزورًا.
ومما ينبغي أن يعلم: أن اليمين قد تكون غير مشروعة ومع ذلك تلزم فيها الكفارة عند الحنث أو وقوع المحلوف به - على خلاف بين العلماء وتفصيل في ذلك - وذلك مثل الحلف بالظهار أو بالحرام، أو أنه يهودي أو نصراني إن فعل أمرًا ما، فهذه كلها أيمان غير مشروعة، ولكن مع ذلك عند الحنث، تلزم فيها الكفارة أو وقوع المحلوف به على خلاف وتفصيل بين أهل العلم، وقد سبق بيان عدم مشروعية هذه الأيمان في الفتاوى ذات الأرقام التالية: 20908، 50961، 29374، 31141.