وهل تتكون هذه الأمومة الشريفة من مجرد بويضة أفرزها مبيض أنثى ولقحها حيوان منوي من رجل.
إن الذي يثبته الدين والعلم والواقع، أن هذه الأمومة إنما تتكون مقوماتها، وتستكمل خصائصها، من شيء آخر بعد إنتاج البويضة حاملة عوامل الورثة، إنه المعاناة والمعايشة للحمل أو الجنين، تسعة أشهر كاملة يتغير فيها كيان المرأة البدني كله تغيرًا يقلب نظام حياتها رأسًا على عقب، ويحرمها لذة الطعام والشراب والراحة والهدوء . إنه الوحم والغثيان والوهن طوال مدة الحمل . وهو التوتر والقلق والوجع والتأوه والطلق عند الولادة . وهو الضعف والتعب والهبوط بعد الولادة . إن هذه الصحبة الطويلة - المؤلمة المحببة - للجنين بالجسم والنفس والأعصاب والمشاعر هي التي تولد الأمومة وتفجر نبعها السخي الفياض بالحنو والعطف والحب.
هذا هو جوهر الأمومة . بذل وعطاء، وصبر واحتمال، ومكابدة ومعاناة ولولا هذه المكابدة والمعاناة، ما كان للأمومة فضلها وامتيازها، وما كان ثمة معنى لاعتبار حق الأم أو كد من حق الأب.
إن أعباء الحمل، ومتاعب الوضع، هي التي جعلت للأمومة فضلًا أي فضل، وحقًا أي حق، وهي التي نوه بها القرآن الكريم، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعته كرها، وحسبنا أن نقرأ في كتاب الله (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، حملته أمه كرها ووضعته كرهًا، وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) ، (ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنا على وهن، وفصاله في عامين) .
ومعنى"وهنا على وهن": أي جهدًا على جهد، ومشقة على مشقة، مما يؤدي بها من ضعف إلى ضعف.
وهذه المعاناة التي تتحمل الأم آلامها وأوصابها راضية قريرة العين، هي السر وراء تأكيد القرآن على حق الأم ومكانتها وأوردها فيما ذكرنا من آيات، وهي السر كذلك وراء تكرار الرسول صلى الله عليه وسلم الوصية بها، وتأكيد الأمر ببرها، وتحريم عقوقها، وجعل الجنة تحت أقدامها، من مثل:"إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
وفي الحديث المشهور في إجابة من سأل: من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال:"أمك . . ثم أمك . . . ثم أمك . . ثم أبوك".
وفي مسند البزار: إن رجلًا كان في الطواف حاملًا أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل أديت حقها ؟ فقال:"ولا بزفرة واحدة - أي من زفرات الطلق والولادة". فإذا كانت الأم لم تتحمل أي شيء من هذه المخاطر والأوجاع والزفرات فما فضل أمومتها ؟ ومن أين تستحق كل ما جاءت به الوصايا النبوية من زيادة برها ؟
3ـ الأم هي الوالدة:
ولا شك أن خير وصف يعبر عن الأم وعن حقيقة صلتها بطفلها في لغة العرب هو"الوالدة"وسمى الأب"الوالد"مشاكلة للأم، وسميا معًا"الوالدين"على سبيل التغليب للأم الوالدة الحقيقية، أما الأب فهو في الحقيقية لم يلد، إنما ولدت امرأته .