الصفحة 2882 من 35630

فقد قص الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام حين ورد ماء مدين ، وسقى لامرأتين من ذلك الماء رحمة وشفقة بهما ، فلما علم أبوهما بأمانة وقوة موسى عليه السلام - وذلك قبل أن يبعث بالرسالة - عرض عليه أن يزوجه إحدى ابنتيه ، فقال سبحانه وتعالى حاكيا ذلك:

( َقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) القصص/27

وفي السنة نموذج آخر رواه الإمام البخاري رحمه الله برقم (5122) ، وبوب عليه بقوله: باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير . كما رواه النسائي برقم (3248) وبوب عليه بقوله: باب عرض الرجل ابنته على من يرضى .

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ:

( تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسٍ يَعْنِي ابْنَ حُذَافَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ - فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ . فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ . فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَلَقِيتُهُ فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا . قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ . فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا . فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَخَطَبَهَا إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ . قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهَا ، وَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ تَرَكَهَا نَكَحْتُهَا )

قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث"فتح الباري" (9/222) :

"وفيه عرض الإنسان ابنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه ؛ لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه ، وأنه لا استحياء في ذلك"انتهى .

والنماذج في التاريخ كثيرة ، ومن أعجب ذلك ما يذكره الذهبي في"سير أعلام النبلاء" (4/233) من قصة تزويج سعيد بن المسيب ابنته على تلميذه كثير بن المطلب ، جاء فيها:

كنت أجالس سعيد بن المسيب ، ففقدني أياما ، فلما جئته قال: أين كنت ؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها ، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها ، ثم قال: هل استحدثت امرأة ؟ فقلت: يرحمك الله ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ قال: أنا . فقلت: وتفعل ؟ قال: نعم ، ثم تحمد ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوجني على درهمين - أو قال: ثلاثة - فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح ، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين .

فصليت المغرب ، ورجعت إلى منزلي ، وكنت وحدي صائما ، فقدمت عشائي أفطر ، وكان خبزا وزيتا ، فإذا بابي يقرع ، فقلت: من هذا ؟ فقال: سعيد . ففكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب ، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت