الصفحة 3280 من 35630

...: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: يريد الإسلام للحياة الزوجية أن تبقى وتدوم ما بقيت دعائمها الأساسية قائمة، وهي السكون والمودة والرحمة، فإن فقدت فلا معنى لفرض الصحبة بالإكراه.

ولهذا أعطي للرجل حق إنهاء الحياة الزوجية بالطلاق، وأعطي في مقابله للمرأة حق إنهائها بالخلع، وذلك عند تعذر الوفاق في كلا الحالين . وفي هذا قيل: إن لم يكن وفاق ففراق . وهنا يؤكد القرآن أن يكون الفراق بالمعروف، إذا لم تمكن المعاشرة بالمعروف .ويحذر من المضارة والعضل الذي ينافي أخلاقية الإنسان المسلم، والذي قد يدفع إليه الغضب وحب الانتقام أو حب المال . يقول تعالى:"فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا" (البقرة: 231) ، ويقول:"ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن" (الطلاق: 6) ويقول:"ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن". (النساء: 19) .

وقد ثبتت مشروعية الخلع بالقرآن والسنة والإجماع.

فأما القرآن فقد قال تعالى في سورة البقرة:"ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئَا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به". (البقرة: 229) .

وأما السنة فقد جاء فيها عدة أحاديث صحاح في قضية امرأة ثابت بن قيس وغيرها . فقد قالت: يا رسول الله، ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام - تقصد كفر العشير - فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أتردين عليه حديقته"؟ - وكان قد أعطاها لها صداقًا - قالت: نعم . قال:"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". (الحديث رواه البخاري وغيره عن ابن عباس . وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في تكييف الخلع: أهو طلاق أم فسخ ؟ فظاهر القرآن يدل على أنه فسخ وهو مذهب ابن عباس، وبعض الأحاديث يدل على أنه طلاق ) .

وأما الإجماع فقد اتفقت المذاهب جميعها، والفقهاء كلهم على مشروعية الخلع.

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (229) من سورة البقرة: (إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى:"ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئَا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ..."الآية ) .

فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه فقد ذكر ابن كثير هنا الحديث الذي رواه ابن جرير والترمذي وأبو داود عن ثوبان مرفوعًا:"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة". (رواه أبو داود(2226) والترمذي (1187 ) وابن ماجة (2055) وأحمد والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي 2 / 200 وابن حبان كما في الموارد 1123).

قال ابن كثير: (ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية .... فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه ) . (تفسير ابن كثير 1/ 272، 273 ط . دار إحياء التراث العربي، بيروت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت