فهرس الكتاب
وإذا كان هذا الترغيب منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النكاح، فقد رغَّب فيما يكون سببًا لدوام العِشْرة بين المُتَناكِحَيْنِ، وهو رؤية الخاطب مخطوبتَه قبل العقد عليها؛ لما في هذه الرؤية من تبيُّن ما يدعو إلى نكاح امرأة بعينها، فيكون هذا أدعى إلى دوام العشرة بين هذا الخاطب ومَن يُريد الزواج بها، تحقيقًا لمقصود الشارع من استمرار العلاقة الزوجية بينهما، وقد جاء في السنَّة النبوية المطَهَّرة أحاديث كثيرة، تدل على مشروعية نظَر الخاطب إلى مخطوبته، منها: ما رُوِيَ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إذا خطَب أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيَفعلْ، قال جابر: فخطبتُ امرأةً فكنْتُ أَخْتَبِئُ لها تحت الكَرَبِ"أصول سعف النخل الغِلاظ العِراض"، حتى رأيتُ منها بعض ما دعاني إلى نكاحها فتزوَّجْتُها"
وروي عن المُغيرة بن شُعبة أنه خطب امرأة، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"انظرْ إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤَدَم بينكما"أي تدوم بينكما المودَّة، ورُوِيَ عن أبي حميد قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:"إذا خطَب أحدُكم امرأةً فلا جناح عليه أن ينظُر منها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم".
وإذا كان نظر الخاطب إلى مَن يُريد الزواج بها مشروعًا، إلا أن الفقهاء اختلفوا في المواضع التي يجوز للخاطب أن ينظرها من مخطوبته، ومذهب جمهورهم:"الحنفية والمالكية والشافعية"أنه ينظر منها الوجه والكفين، فلا يَحِلُّ له أن ينظر فيها أكثر من ذلك، لعدم الحاجة إليه، ولأن الأصل هو حُرْمة النظر إلى جميعها، إلا أنه أُبِيح بمقدار ما تدعو الحاجة إلى النظر إليه، وهو الوجه والكفين، فبَقِيَ ما عداهما على حكم الأصل.
ومحل جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته، إذا كان يرجو أن يُجاب إلى طلَبِه الزواج منها، أو يغلِب على ظنِّه ذلك، ولو أن يُكَرِّر النظر إليها، وأن يَستديمه ليَتَبَيَّن هيئتها، فلا يندم بعد النكاح، وإن كان الحنفية يمنعون النظر الزائد عن الحاجة؛ لأنه نظر أُبيح للضرورة، فيقدر بقَدْرها.
ولا يُشتَرط عند جمهور الفقهاء ـ غير المالكية ـ استئذانها أو استئذان وَلِيِّها عند النظر إليها، اكتفاءً بإذن الشارع له في ذلك، وحتى لا تتزيَّن، أو تُغَيِّر من هيئتها، فيفُوت الغرض من النظر إليها.
وإذا جاز للخاطب النظر إلى الموضعين السابقين من مخطوبته، فلا يحل له أن يختلي بها، أو أن يخرج معها، أو أن يَمَسَّ شيئًا من بدنها، ولو كان عضوًا يجوز له النظر إليه؛ لأنها محرمة عليه قبل العقد عليها، ولم يرد الشرع بغير النظر، فبقي ما عداه على أصل التحريم، ولأنه لا يُؤْمَن مع الخَلْوة بها، أو الخروج معها، أو مس شيء من بدنها من ثوران الشهوة ومواقعة المحظور؛ ولهذا منع الشارع من ذلك كله، وورد هذا المنع في نصوص كثيرة، منها: ما رُوِيَ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة ليست منه بمَحرَم؛ فإن الشيطان ثالثهما"، أي يكون معهما في هذه الخَلْوة، يُوَسْوِس لهما بارتكاب المعصية، وما رُوِيَ عن معقل بن يسار أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"لأن يُطعَن في رأس أحدِكم بمِخْيَط من حديد، خير له من أن يمَسَّ"