فهرس الكتاب
لانحلال اليمين بالفعلة الأولى ، إذ لا يتناول إلاّ الفعلة الأولى وقد حصلت ، فإن خالعها ولم يفعل المحلوف عليه ففيه قولان: أصحّهما: أنّه يتخلّص من الحنث فإذا فعل المحلوف عليه بعد النّكاح لم يحنث ، لأنّه تعليق سبق هذا النّكاح فلم يؤثّر فيه ، كما إذا علّق الطّلاق قبل النّكاح على صفة وجدت بعده.
والخلاف في كون الخلع جائزًا أو مكروهًا إنّما هو من حيث المعاوضة على العصمة ، كما في حاشية الصّاويّ ، وأمّا من حيث كونه طلاقًا فهو مكروه بالنّظر لأصله أو خلاف الأولى ، لقوله عليه الصلاة والسلام: « أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق » .
واستدلّوا بالكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة ، أمّا الكتاب فقوله تعالى: «فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» ، وقوله تعالى: «فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا» .
وأمّا السّنّة فما رواه البخاريّ في امرأة ثابت بن قيس بقوله صلى الله عليه وسلم له: « اقبل الحديقة وطلّقها تطليقةً » وهو أوّل خلع وقع في الإسلام.
وأمّا الإجماع فهو إجماع الصّحابة والأمّة على مشروعيّته وجوازه.
واستدلّوا من المعقول بأنّ ملك النّكاح حقّ الزّوج فجاز له أخذ العوض عنه كالقصاص.
10 -وأمّا الحنابلة فقد ذكروا أنّ الخلع على ثلاثة أضرب
الأوّل: مباح الخلع وهو أن تكره المرأة البقاء مع زوجها لبغضها إيّاه ، وتخاف ألاّ تؤدّي حقّه ، ولا تقيم حدود اللّه في طاعته ، فلها أن تفتدي نفسها منه لقوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» .
ويسنّ للزّوج إجابتها ، لما رواه البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول اللّه: ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلاّ أنّي أخاف الكفر فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: فتردّي عليه حديقته فقالت: نعم.
فردّت عليه ، وأمره ففارقها » ولأنّ حاجتها داعية إلى فرقته ، ولا تصل إلى الفرقة إلاّ ببذل العوض فأبيح لها ذلك ، ويستثنى من ذلك ما لو كان الزّوج له إليها ميل ومحبّة فحينئذ يستحبّ صبرها وعدم افتدائها ، قال أحمد: ينبغي لها أن تصبر.
قال القاضي: أي على سبيل الاستحباب ، ولا كراهة في ذلك ، لنصّهم على جوازه في غير موضع.
الثّاني: مكروه: كما إذا خالعته من غير سبب مع استقامة الحال لحديث ثوبان أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « أيّما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنّة » ولأنّه عبث فيكون مكروهًا ، ويقع الخلع ، لقوله تعالى: «فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا» ويحتمل كلام أحمد تحريمه وبطلانه ، لأنّه قال الخلع مثل حديث سهلة تكره الرّجل فتعطيه المهر فهذا الخلع ووجه ذلك قوله تعالى: «وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ» .