فهرس الكتاب
الثّالث: محرّم: كما إذا عضل الرّجل زوجته بأذاه لها ومنعها حقّها ظلمًا لتفتدي نفسها منه لقوله تعالى: «وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ» فإن طلّقها في هذه الحال بعوض لم يستحقّه ، لأنّه عوض أكرهت على بذله بغير حقّ فلم يستحقّه ويقع الطّلاق رجعيًّا.
وإن خالعها بغير لفظ الطّلاق فعلى القول بأنّه طلاق فحكمه ما ذكر ، وإلاّ فالزّوجيّة بحالها ، فإن أدّبها لتركها فرضًا أو نشوزها فخالعته لذلك لم يحرم ، لأنّه ضربها بحقّ ، وإن زنت فعضلها لتفتدي نفسها منه جاز وصحّ الخلع لقول اللّه تعالى: «وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ» والاستثناء من النّهي إباحة.
وإن ضربها ظلمًا لغير قصد أخذ شيء منها فخالعته لذلك صحّ الخلع ، لأنّه لم يعضلها ليأخذ ممّا آتاها شيئًا.
وذكر الحنابلة أيضًا أنّ الخلع يحرم حيلةً لإسقاط يمين طلاق ، ولا يصحّ ولا يقع ، لأنّ الحيل خداع لا تحلّ ما حرّم اللّه.
هذا واختار ابن المنذر عدم جواز الخلع حتّى يقع الشّقاق منهما جميعًا وتمسّك بظاهر قوله تعالى: «إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ» .
وبذلك قال طاوس والشّعبيّ وجماعة من التّابعين.
وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطّبريّ بأنّ المراد أنّها إذا لم تقم بحقوق الزّوج كان ذلك مقتضيًا لبغض الزّوج لها فنسبت المخافة إليهما لذلك ، ويؤيّد عدم اعتبار ذلك من جهة الزّوج أنّه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر ثابتًا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له ، على أنّ ذكر الخوف في الآية جرى على الغالب ، لأنّ الغالب وقوع الخلع في حالة التّشاجر ، ولأنّه إذا جاز حالة الخوف وهي مضطرّة إلى بذل المال ففي حالة الرّضا أولى.
11 -وصرّح المالكيّة - على الأصحّ عندهم - بأنّها إذا خالعته درءًا لضرره فإنّ الزّوج يردّ المال الّذي خالعها به ، ولو كانت قد أسقطت البيّنة الّتي أشهدتها بأنّها خالعته لدرء ضرره.
«جواز أخذ العوض من المرأة»
12 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز أخذ الزّوج عوضًا من امرأته في مقابل فراقه لها سواء كان العوض مساويًا لما أعطاها أو أقلّ أو أكثر منه ما دام الطّرفان قد تراضيا على ذلك ، وسواء كان العوض منها أو من غيرها ، وسواء كان العوض نفس الصّداق أو مالًا آخر غيره أكثر أو أقلّ منه.
وذهب الحنابلة إلى أنّ الزّوج لا يستحبّ له أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها بل يحرم عليه الأخذ إن عضلها ليضطرّها إلى الفداء.
وفصّل الحنفيّة فقالوا: إن كان النّشوز من جهة الزّوج كره له كراهة تحريم أخذ شيء منها ، لقوله تعالى: «وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا» .
ولأنّه أوحشها بالفراق فلا يزيد إيحاشها بأخذ المال ، وإن كان النّشوز من قبل المرأة لا يكره له الأخذ ، وهذا بإطلاقه يتناول القليل والكثير ، وإن كان أكثر ممّا أعطاها