فهرس الكتاب
آلاف السنين، ووجد طريقه إلى قلوب الشعب التركي واستملكها دون أن تكون هناك الحاجة إلى ترجمته إلى اللغة التركية، والأغرب من ذلك أنهم يتعمدون ويفرضون ذلك بقوة الدولة والقانون، ربما هم بهذا يحاولون إشباع رغباتهم، لكنهم على خلفية ذلك يتجاهلون أنهم يدمرون علاقات الدولة بالمجتمع.
نعم لا يوجد هناك مقارنة في موازيين القوى بين الدولة والشعب، فالدولة هي أقوى من الشعب دومًا، فما بالكم الشعب التركي الذي نشئ على حس"إطاعة الدولة"، لذا فإننا نراه محشورًا دومًا في الزاوية بين سندان إيمانه وعقائده ومطرقة قدرات الدولة وتسلطها، وإذا فكرنا بمعنويات الشعب التركي من هذه الناحية نرى أن الخصام بين المجتمع والدولة هو ثمرة هذا التسلط.
ونذكر عندما وصل حزب"الديمقراطية"إلى السلطة، وسمح بقراءة الآذان بلغته العربية الأصلية؛ فقد تحول ذاك اليوم إلى عيد لا ينسى في تركيا، ويقال: إنه عندما قرأ"الآذان"بالعربية في الجامع الكبير بمدينة بورصة لأول مرة فقد غرق عشرات الآلاف من المواطنين الذي كانوا متجمعين في الميدان في دموعهم.
18 عامًا حسنًا وهل نجحت هذه الأعوام الثماني عشر من الحظر على مسح"الآذان"بلغته الأصلية من قلوب الشعب التركي؟
لا أبدًا، فقد كان هناك دومًا اشتياق وتلهف عليه، وعندما تم إباحته بلغته الأصلية تمسك فيه الشعب بحب ربما كان أكبر بكثير مما كان عليه قبل حظره، واستقبله بعيون باكية من الفرح وبصوت واحد هو"الله أكبر".
يبدو أن مشكلة الحجاب في طريقها لتصبح التحدي الأكبر أمام حكومة حزب العدالة والتنمية خلال المرحلة القادمة، ففي الوقت الذي قطعت فيه الحكومة التركية شوطًا كبيرًا في ملف الإصلاحات السياسية، ونالت رضا الدول الأوروبية والإدارة الأمريكية، إلا أنها ارتطمت بجدار العلمانية لتواجه في الوقت الراهن امتحانًا صعبًا لدى قاعدته الإسلامية التي منحته أصواتها أملًا في حل مشكلة الحجاب، ويرى المراقبون السياسيون الأتراك أن مسألة الحجاب في تركيا على ضوء التداعيات والمعطيات الجديدة أصبحت أكثر تعقيدًا وحساسية، وستجعل الأيام القادمة أشد سخونة في تاريخ حكومة أردوغان.
ومن الملفت للنظر في قضية الحجاب بأنها تخبو فترات، وتبرز على الساحة في فترات أخرى، خاصة عندما تكون هناك استفزازات من قبل النخبة العلمانية، أو اتخاذ قرار بمنع دخول المحجبات في إحدى المؤسسات، وكذلك في الوقت الذي تقف فيه الحكومة بجانب الحجاب.
رغم كل ذلك فإن الحجاب منتشر بين أغلبية الشعب التركي، فعلى سبيل المثال كل السيدات وفتيات الأناضول، وهن يمثلن 95% من مساحة تركيا محجبات، ويرتدين زيًا خاصًا أقرب إلى الحجاب وأبعد ما تكون عن التبرج، بل إن المغالين في العلمانية نجد أمهاتهم خاصة مع التقدم في السن محجبات لدرجة أنه يقال: إن زوجة أتاتورك كانت محجبة، وكذلك أمه.