فهرس الكتاب
وَاحْتَجُّوا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ الَّذِي سَيَأْتِي فِي بَابِ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ بِالرَّضَاعِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ وَلَا سَأَلَ عَنْ الْعَدَدِ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُطْلَقِ الْمَشْعُورِ بِهِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ لِسَبْقِ الْبَيَانِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَدْرِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ فَإِنْ قُلْت: حَدِيثُ { لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ } يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْخَمْسِ لِأَنَّ الْفَتْقَ يَحْصُلُ بِدُونِهَا قُلْت: سَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِاعْتِبَارِ الْخَمْسِ وَأَمَّا حَدِيثُ { لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ } وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْعَمَلِ بِهَا فَمَفْهُومُهَا يَقْتَضِي أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ كَمَا أَنَّ مَفْهُومَ أَحَادِيثِ الْخَمْسِ أَنَّ مَا دُونَهَا لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَيَتَعَارَضُ الْمَفْهُومَانِ وَيُرْجَعُ إلَى التَّرْجِيحِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: { لَا يُحَرِّمُ إلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ أَوْ خَمْسٌ } كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَهَذَا مَفْهُومُ حَصْرٍ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ وَأَيْضًا قَدْ ذَهَبَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ كالزَّمَخْشَرِيِّ إلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُضَارِعِيَّةِ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالْإِخْبَارَ عَنْ الْخَمْسِ الرَّضَعَاتِ بِلَفْظِ يُحَرِّمْنَ كَذَلِكَ . وَلَوْ سَلِمَ
اسْتِوَاءُ الْمَفْهُومَيْنِ وَعَدَمُ انْتِهَاضِ أَحَدِهِمَا كَانَ الْمُتَوَجَّهُ تَسَاقُطَهُمَا ، وَحَمْلَ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْخَمْسِ لَا عَلَى مَا دُونَهَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ؛ وَلَا دَلِيلَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا دُونَ الْخَمْسِ يُحَرِّمُ إلَّا مَفْهُومَ قَوْلِهِ: { لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ } وَالْمَفْرُوضُ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ ، نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْخَمْسِ الرَّضَعَاتِ بِكَوْنِهَا فِي زَمَنِ الْمَجَاعَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا { لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَرَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ } فَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِنْبَاتَ وَالْإِنْشَارَ إنْ كَانَا يَحْصُلَانِ بِدُونِ الْخَمْسِ فَفِي الْخَمْسِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَا لَا يَحْصُلَانِ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا فَيَكُونُ حَدِيثُ الْخَمْسِ مُقَيَّدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ لَوْلَا أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْهِلَالِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إنَّ أَبَا مُوسَى وَأَبَاهُ مَجْهُولَانِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي مُوسَى فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَهَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ يُفِيدُ ارْتِفَاعَ الْجَهَالَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى لَا يُفِيدُ ارْتِفَاعَهَا عَنْ أَبِيهِ فَلَا يَنْتَهِضُ الْحَدِيثُ لِتَقْيِيدِ أَحَادِيثِ الْخَمْسِ بِإِنْشَارِ الْعَظْمِ وَإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إرْضَاعَ الْكَبِيرِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ
ذَلِكَ
ــــــــــــــ
بَابُ مَا جَاءَ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ 2961 - ( عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: { قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ: إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْك الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ؟ وَقَالَتْ: إنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ }