فهرس الكتاب
تسليم أن فيه ما يدل فما فائدة نسخ اللفظ مع بقاء حكمه ؟ ومع تسليم أن له فائدة فما هو الدليل الذي يدل على أن اللفظ قد نسخ وبقي حكمه ؟
وقد أجيب عن الأول بأنه لم يقل أحد أن خبر عائشة يفيد قرآنية هذه الكلمات فتعطى حكم القرآن وإنما الذي يفيده خبر عائشة ظن أن هذا الحكم كان موجودا في القرآن وهذا الظن كاف في إثبات الحكم الفقهي
ثم إن هناك فرقا بين ما روي عن ابن مسعود من كون المعوذتين ليستا من القرآن وبين خبر عائشة الموجود معنا فإن الأول فيه نفي للقرآن المتواتر يقينا ومن ينكر شيئا من القرآن المتواتر يقينا فإنه يخرج عن الدين فيجب تكذيب ما روي عن ابن مسعود من إنكار المعوذتين تكذيبا باتا وتكذيب كل رواة مماثلة لها أما خبر عائشة فإنه يفيد أن هذا قرآن ونسخ في عهد النبي صلى الله عليه و سلم فلا يصح أن يعطى حكم القرآن على كل حال ومع ذلك فإن الخبر لا يفيد إلا الظن ففي كونه قرآنا لا يضر وقد يقال: إنه مع وجاهة هذا الجواب لا يزال الإشكال قائما وهو أنه إذا صح نفي كونه قرآنا فلا يصح الاحتجاج به لأن الاستدلال به قائم على كونه قرآنا فمتى نفينا كونه قرآنا فقد انتفى الحكم الدال عليه فالمعترض يقول: إنكم تقولون: إن هذا الحكم كان موجودا في القرآن وذكرتم نصه بآية قلتم: إنها كانت في القرآن والفرض أن القرآن هو ما ثبت بالتواتر وكل ما لا يثبت بالتواتر لا يكون قرآنا فهذا ليس بقرآن ومتى ثبت أنه ليس بقرآن فإنه لا يصح الاحتجاج به فإن قلتم: إنه لا يلزم من انتفاء كونه قرآنا انتفاء الحكم لأنه يكون من قبيل الحديث الثابت بخبر الآحاد قلنا: وهذا أيضا لا يصح لأن عائشة لم تروه على أنه حديث وعلى فرض أنها روته كذلك فإنكم قلتم: إنه صح نفيه: فيقال: إن خمس رضعات يحرمن ليست بقرآن ومتى صح ذلك فإن الحكم الذي دل عليه اللفظ ينتفي طبعا ولا يقال أيضا: إن خبر عائشة يفيد أنه كان قرآنا قطعا في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وليس بقرآن بالنسبة لنا لعدم تواتره لأنا نقول: إن خبر عائشة لا يفيد إلا الظن فمن أين يأتي القطع ؟
أما الجواب عن الاعتراض الثاني فإن القرآن قد تواتر نقله كلمة كلمة وحرفا حرفا وانحصر في الموجود بين دفتي المصحف فلا يحتمل سقوط كلمة واحدة منه فلا سبيل للقول بأن خمس رضعات كانت موجودة وسقطت وقد دل الحديث على أنها كانت فيه فلما لم تتواتر علمنا أن لفظها نسخ وبقي حكمها وهذا الجواب حسن ولكن نسخ اللفظ وبقاء معناه لم تظهر له فائدة ما معقولة بل قد يقال عليه ان نسخ الأحكام معقول لأنها تابعة لأحوال الأمم وتطوراتها فلها فائدة واضحة بل قد تكون الأحكام الوقتية ضرورية لأمة حديثة العهد بالتشريع أما رفع اللفظ مع بقاء معناه فإن دل على شيء فإنه يدل على أن هذا اللفظ لا يناسب وضعه في هذه الجملة فلما وضع وظهر فساده حذف وهذا مستحيل على الله تعالى العليم الخبير ومع هذا فقد يقال: إن الحكم لا بد له من لفظ يدل عليه فإذا رفع اللفظ فما هو الدليل الذي يدل عليه ؟ فإن قلتم أنه دل عليه قبل رفعه: قلنا وقد انتفت الدلالة بعد رفعه فلم يبق للحكم دليل فإن قلتم: إن دليل الحكم اللفظ الذي يبينه به الرسول قلنا أن الحكم في هذه الحالة يكون ثابتا بالحديث لا بالقرآن المنسوخ فالحق أن القول بجواز نسخ اللفظ مع بقاء