فهرس الكتاب
وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ قَالَ: تَرِبَتْ يَمِينُكِ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ أَنَا أَبِي أَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: { اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ , فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ فَأَرْسَلَ إلَيَّ: إنِّي عَمُّكِ أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي , فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: لِيَدْخُلْ عَلَيْك فَإِنَّهُ عَمُّكِ } . فَكَانَ هَذَا خَبَرًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ . وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ , فَتَنَاقَضُوا هَاهُنَا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ ; لِأَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: إذَا رَوَى الصَّاحِبُ خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرُوِيَ عَنْ ذَلِكَ الصَّاحِبِ خِلَافُ مَا رَوَى , فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ الْخَبَرِ , قَالُوا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ -: مِنْهَا - مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ أَنَّهُ يُعْتَقُ فِي عِتْقِهَا وَيُرَقُّ فِي
رِقِّهَا - فَادَّعُوا أَنَّ هَذَا خِلَافٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ { النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَاعَ مُدَبَّرًا } . وَالْعَجَبُ أَنَّهُ لَيْسَ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ , بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِبَيْعِ الْمُدَبَّرِ ; لِأَنَّ فِيهِ يُرَقُّ بِرِقِّهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا عَائِشَةُ وَحْدَهَا , وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا خِلَافُهُ , فَأَخَذُوا بِرِوَايَتِهَا وَتَرَكُوا رَأْيَهَا , وَلَمْ يَقُولُوا: لَمْ تُخَالِفْهُ إلَّا لِفَضْلِ عِلْمٍ عِنْدَهُنَّ , وَقَالُوا: لَا نَدْرِي لِأَيِّ مَعْنًى لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ هَذَا عَجَبًا جِدًّا يَثْبُتُ عَنْهَا , كَمَا أَرَدْنَا: أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ نِسَاءُ أَبِي بَكْرٍ , وَنِسَاءُ إخْوَتِهَا , وَنِسَاءُ بَنِي إخْوَتِهَا بِأَصَحِّ إسْنَادٍ , وَأَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا , وَبَنَاتُ أَخَوَاتِهَا , فَهَلْ هَاهُنَا شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَيْهِ ؟ إلَّا أَنَّ الَّذِينَ أَذِنَتْ لَهُمْ رَأَتْهُمْ ذَوِي مَحْرَمٍ مِنْهَا , وَأَنَّ الَّذِينَ لَمْ تَأْذَنْ لَهُمْ لَمْ تَرَهُمْ ذَوِي مَحْرَمٍ مِنْهَا - وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ , وَمُدَافَعَةِ الْحَقِّ بِكُلِّ مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَثٍّ وَرَثٍّ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحْتَجِبَ مِمَّنْ شَاءَتْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا ؟ فَقُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ لَهَا إلَّا أَنَّ تَخْصِيصَهَا - رضي الله عنها - بِالِاحْتِجَابِ عَنْهُمْ مَنْ أَرْضَعَتْهُ نِسَاءُ أَبِيهَا ,
وَنِسَاءُ إخْوَتِهَا , وَنِسَاءُ بَنِي أَخَوَاتِهَا , دُونَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا , وَبَنَاتُ أَخَوَاتِهَا , لَا يُمْكِنُ إلَّا لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا , لَا سِيَّمَا مَعَ تَصْرِيحِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهَا - بِأَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ , وَأَفْتَى الْقَاسِمُ بِذَلِكَ , فَظَهَرَ تَنَاقُضُ أَقْوَالِهِمْ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَعَهْدُنَا بِالطَّائِفَتَيْنِ تَعْتَرِضُ كِلْتَاهُمَا عَنْ الْخَبَرِ الثَّابِتِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى رَضَاعِ سَالِمٍ بِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ , وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّحْرِيمَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ , وَلَمْ يَجِئْ مَجِيءَ التَّوَاتُرِ - فَظَهَرَ أَيْضًا تَنَاقُضُهُمْ هَاهُنَا . وَعَهْدُنَا بِالطَّائِفَتَيْنِ تَقُولَانِ: إنَّ مَا كَثُرَ بِهِ الْبَلْوَى لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ , وَرَامُوا بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ: مِنْ أَنَّ الْبَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا وَلَبَنُ الْفَحْلِ مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى , وَقَدْ خَالَفَتْهُ الصَّحَابَةُ , وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ هَكَذَا جُمْلَةً , وَابْنُ الزُّبَيْرِ , وَزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ , وَالْقَاسِمُ , وَسَالِمٌ , وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ , وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ , وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ , وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ , وَأَبُو