فهرس الكتاب
قِلَابَةَ , وَمَكْحُولٌ , وَغَيْرُهُمْ , فَهَلَّا قَالُوا هَاهُنَا: لَوْ كَانَ صَحِيحًا مَا خَفِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ , وَهُوَ مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ
الْبَلْوَى , كَمَا قَالُوا فِي خَبَرِ التَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ , وَمَا نَعْلَمُهُ خَفِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَالتَّابِعِينَ , إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحْدَهُ - فَظَهَرَ بِهَذَا فَسَادُ أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا , وَأَنَّهَا لَا مَعْنَى لَهَا , وَإِنَّمَا هِيَ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ .
2016 - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ رَضَاعًا مُحَرِّمًا حُرِّمَتَا جَمِيعًا وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا , إذْ صَارَتَا بِذَلِكَ الرَّضَاعِ أُخْتَيْنِ , أَوْ عَمَّةً وَبِنْتَ أَخٍ , أَوْ خَالَةً وَبِنْتَ أُخْتٍ , أَوْ حَرِيمَةَ امْرَأَةٍ لَهُ ; لِأَنَّهُمَا مَعًا حَدَثَ لَهُمَا التَّحْرِيمُ , فَلَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْأُخْرَى . وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ بِهِمَا فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى رَضَاعًا مُحَرِّمًا وَلَا فَرْقَ , فَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى رَضَاعًا مُحَرِّمًا انْفَسَخَ نِكَاحُ الَّتِي صَارَتْ أُمًّا لِلْأُخْرَى وَبَقِيَ نِكَاحُ الَّتِي صَارَتْ لَهَا ابْنَةً صَحِيحًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فَصَارَتْ بِنْتَ امْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا , وَلَا هِيَ فِي حِجْرِهِ , فَثَبَتَ نِكَاحُهَا , وَصَارَتْ الْأُخْرَى مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ , فَحُرِّمَتْ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
2017 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا صِفَةُ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ , فَإِنَّمَا هُوَ: مَا امْتَصَّهُ الرَّاضِعُ مِنْ ثَدْيِ الْمُرْضِعَةِ بِفِيهِ فَقَطْ . فَأَمَّا مَنْ سُقِيَ لَبَنَ امْرَأَةٍ فَشَرِبَهُ مِنْ إنَاءٍ , أَوْ حُلِبَ فِي فِيهِ فَبَلَعَهُ ; أَوْ أُطْعِمَهُ بِخُبْزِ , أَوْ فِي طَعَامٍ , أَوْ صُبَّ فِي فَمِهِ , أَوْ فِي أَنْفِهِ , أَوْ فِي أُذُنِهِ , أَوْ حُقِنَ بِهِ: فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غِذَاءَهُ دَهْرَهُ كُلَّهُ . بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } , وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } . فَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْمَعْنَى نِكَاحًا , إلَّا بِالْإِرْضَاعِ وَالرَّضَاعَةِ وَالرَّضَاعِ فَقَطْ - وَلَا يُسَمَّى إرْضَاعًا إلَّا مَا وَضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعَةُ مِنْ ثَدْيِهَا فِي فَمِ الرَّضِيعِ - يُقَالُ أَرْضَعَتْهُ تُرْضِعُهُ إرْضَاعًا . وَلَا يُسَمَّى رَضَاعَةً , وَلَا إرْضَاعًا إلَّا أَخْذُ الْمُرْضَعِ , أَوْ الرَّضِيعِ بِفِيهِ الثَّدْيَ وَامْتِصَاصُهُ إيَّاهُ - تَقُولُ: رَضِعَ يَرْضَعُ رَضَاعًا وَرَضَاعَةً . وَأَمَّا كُلُّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا فَلَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهُ إرْضَاعًا , وَلَا رَضَاعَةً وَلَا رَضَاعًا , إنَّمَا هُوَ حَلْبٌ وَطَعَامٌ وَسِقَاءٌ , وَشُرْبٌ وَأَكْلٌ وَبَلْعٌ , وَحُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ وَتَقْطِيرٌ , وَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا شَيْئًا . فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الرَّضَاعِ وَالْإِرْضَاعِ ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , وَلَوْ كَانَ
الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ , وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي فَهْمٍ أَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ شَاةٍ أَشْبَهَ بِالرَّضَاعِ مِنْ امْرَأَةٍ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا رَضَاعٌ مِنْ الْحُقْنَةِ بِالرَّضَاعِ , وَمِنْ السَّعُوطِ بِالرَّضَاعِ , وَهُمْ لَا يُحَرِّمُونَ بِغَيْرِ النِّسَاءِ - فَلَاحَ تَنَاقُضُهُمْ فِي قِيَاسِهِمْ الْفَاسِدِ , وَشَرْعُهُمْ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَا يُحَرِّمُ السَّعُوطُ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُحَرِّمُ أَنْ يُسْقَى الصَّبِيُّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ فِي الدَّوَاءِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَضَاعٍ , إنَّمَا الرَّضَاعُ مَا مُصَّ مِنْ الثَّدْيِ . هَذَا نَصُّ قَوْلِ اللَّيْثِ , وَهَذَا قَوْلُنَا , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ , وَأَصْحَابِنَا . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ