الصفحة 472 من 35630

لا أجد نفسي وقد اخترقني واستعمرني فضول المارة، وأشعر بأن الزحام وضوضاء الطريق قد صارت أقل فظاعة، وأشعر أنني أستطيع أن أنسحب بداخله إلى عالمي الخاص الأمن حتى وأنا أمشى في الطريق، وأشعر وبصورة عملية بأنني أمنة تمامًا من أية مبادرات غير مرغوب فيها.

كذلك فإن الحجاب هو نظام أمان اقتصادي، فأنا لا أستطيع - كما هو الحال مع الكثيرين غيري من المشاة في لندن - أن أقدم النقود لكل فقير مشرد أمر به من ساكني الطريق، غير أني أشعر بالضيق والذنب عندما أمر إلى جوارهم، ولكن في حجابي فإني أستطيع أن أخفى ضميري، كما أنني أشعر بأمان تام من اللصوص وقاطعي الطريق، فاللصوص غالبًا ما يقولون في أنفسهم إذا ما رأوني"إنها مهاجرة غير قانونية، قطعًا لا تستحق مجهود المحاولة"، وهم يتصورون أن حقيبتي الكبيرة إنما تحتوى غالبًا على خضروات لأطفالي الستة عشر!

في حجابي يكون التسوق أيضًا أقل تكلفة، حيث أن بعض التجار المسلمين يستخدمون نظامين لتسعير سلعهم؛ أحدهما هو نظام يكون السعر فيه لمن هو"واحد منهم"أقل بكثير من السعر المطروح للغربيين، فإذا أردت المفاصلة في السعر فانى أحرص على أن أنزل إلى السوق في حجابي.

ولعل أروع أثر لارتداء الحجاب هو أنك وبشكل تلقائي تجدين نفسك وقد صرت عضوة من أعضاء المجتمع المسلم، لها كل ما للمرأة المسلمة من الشرف ومن الامتيازات، فعندما أدخل إلى متجر مسلم مثلًا فثمة رجل سيقول لي بلطف ودماثة خلق:"السلام عليكم؛ كيف لي أن أخدمك سيدتي؟"، وفى الحافلة فإن الرجال المسلمين من أفريقيا أو من الشرق الأوسط أو من الشرق الأقصى سيفسحون لي مجلسًا ويقومون، ويقولون لي:"أنت أولًا أختاه".

إن المكاتب والبارات والنوادي في لندن لتعج بالفتيات ذوات التنورات القصيرة، والأحذية الرفيعة، وأكثرهن باحثات عن الحب، أما النساء المتحجبات واللاتي يتقززن ويحتقرن الغربيات بصفة عامة فإنهن في الحقيقة عادة ما يشعرن بالشفقة على نساء الغرب وهن يؤذين أنفسهن اضطرارًا بأحذية متعبة ذات كعب عال، وبمستحضرات تجميل مؤذية للبشرة، وبنظم غذائية قاسية من أجل أن يجتذبن الرجال، إن لي صديقة إيرانية اسمها منى؛ وهى سيدة أعمال ناجحة، تخرج يوميًا في مظهر مذهل؛ فتضع طلاء الأظافر، وأدوات الزينة، والأزياء الحديثة، والتبرج الكامل، تقول منى"لقد كان الوضع أسهل كثيرًا جدًا عندما كنت في إيران، إذ تنهضين من الفراش في التاسعة صباحًا، ثم ليس عليك سوى أن تلقى على جسدك الرداء الأسود الضخم، وتقفزين في سيارتك، أما الآن، فعلي أن أقضى ساعتين أو ثلاثة في التبرج كل صباح".

عادة ما يستبعد الحجاب ويحتقر بوصفه من متعلقات المسلمين الأصوليين، ولكن في الحقيقة فإن القديس باول أمر النساء بتغطية رؤوسهن، وحتى الستينيات من القرن الماضي ما كنت لترى امرأة تدخل إلى الكنيسة بدون قفاز وقبعة، وكثيرات من النساء الإنجليزيات كن يلبسن القبعات في الشوارع، أو يلبسن أغطية للرأس تنعقد من تحت الذقن، ولا تزال نساء الهندوس والسيخ يتوقع منهن أن يغطين رؤوسهن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت