فهرس الكتاب
مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 8 / ص 376)
وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ امْرَأَةٍ أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا مِنْ جَمِيعِ صَدَاقِهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْهَدَ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَكَانَتْ الْبَرَاءَةُ تَقَدَّمَتْ عَلَى ذَلِكَ: فَهَلْ يَصِحُّ الطَّلَاقُ ؟ وَإِذَا وَقَعَ يَقَعُ رَجْعِيًّا أَمْ لَا ؟
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ: إنْ كَانَا قَدْ تَوَاطَآ عَلَى أَنْ تَهَبَهُ الصَّدَاقَ وَتُبْرِيهِ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَأَبْرَأَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا: كَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا بَائِنًا . وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُك . أَوْ: إنْ أبرأتيني طَلَّقْتُك . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِبْرَاءَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا . وَأَمَّا إنْ كَانَتْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ ؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ وَلَكِنْ هَلْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِي الْإِبْرَاءِ إذَا كَانَ يُمْكِنُ لِكَوْنِ مِثْلِ هَذَا الْإِبْرَاءِ لَا يَصْدُرُ فِي الْعَادَةِ إلَّا لِأَنْ يُمْسِكَهَا أَوْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد . وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَدْ طَابَتْ نَفْسُهَا بِالْإِبْرَاءِ مُطْلَقًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً مِنْهَا لَا بِسَبَبِ مِنْهُ وَلَا عِوَضٍ: فَهُنَا لَا تَرْجِعُ فِيهِ بِلَا رَيْبٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ـــــــــــــــــــ
الفتاوى الكبرى - (ج 8 / ص 286)
بَابُ الصَّدَاقِ وَلَا يَجُوزُ كِتَابَةُ الصَّدَاقِ عَلَى الْحَرِيرِ وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ فَيُسْتَحَبُّ بُلُوغُهُ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ .
وَكَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يَكُونُ بُلُوغُهُ مُبَاحًا وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يُكْرَهُ جَعْلُ الصَّدَاقِ دَيْنًا سَوَاءٌ كَانَ مُؤَخَّرَ الْوَفَاءِ وَهُوَ حَالٌّ أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَكَانَ مُتَوَجِّهًا لِحَدِيثِ الْوَاهِبَةِ وَالصَّدَاقُ الْمُقَدَّمُ إذَا كَثُرَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ مِنْ مَعْنَى الْمُبَاهَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَأَمَّا إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ كُرِهَ بَلْ يَحْرُمُ إذَا لَمْ يَتَوَصَّلْ إلَيْهِ إلَّا بِمَسْأَلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْوُجُوهِ الْمُحَرَّمَةِ فَأَمَّا إنْ كَثُرَ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ فِي ذِمَّتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ هَذَا كُلُّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِشَغْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ بِنِيَّةِ أَنْ يُعْطِيَهَا صَدَاقًا مُحَرَّمًا أَوْ لَا يُوفِيَهَا الصَّدَاقَ أَنَّ الْفَرْجَ لَا يَحِلُّ لَهُ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَسْتَحِلَّ الْفَرْجَ بِمَالِهِ فَلَوْ تَابَ مِنْ هَذِهِ النِّيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا يَعْنِي بِحُرْمَةٍ وَالْمَرْأَةُ لَا تُحَرِّرُ مُحَرَّمًا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كُلُّ مَا صَحَّ عِوَضًا فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ صَحَّ مَهْرًا إلَّا مَنَافِعَ الزَّوْجِ الْحُرِّ الْمُقَدَّرَةِ بِالزَّمَانِ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَأَمَّا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي مَنَافِعِ الْحُرِّ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِزَوْجٍ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ .
وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُقْنِعِ فَلَفْظُهُمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ فَاعْتَبَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ الْقَيْدَيْنِ الزَّوْجِيَّةَ وَالْحُرِّيَّةَ
أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا لَا يُجْبَرُ الْغَرِيمُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمَدِينِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى نِيَّتِهِ إذْ لَمْ يُظْهِرْهَا لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِيفَاءَ شُرِطَ بِالرِّضَا وَالْغَرِيمُ الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَرْضَ أَنَّهُ يَسْتَوْفِي دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَدِينِ وَإِنْ قُلْنَا يُجْبَرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ الْغَرِيمِ فَيُتَوَجَّهَ أَنْ يُؤَثِّرَ مُجَرَّدُ دَيْنِهِ الْمُوَفَّى وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ .