فهرس الكتاب
فَلَا
تَزَالُ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَيْضَةُ الثَّالِثَةُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .
وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِطَعْنِهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَهِيَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } .
ثُمَّ قَالَ: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } .
أَيْ فِي ذَلِكَ التَّرَبُّصِ .
ثُمَّ قَالَ: { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } .
فَبَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَحَقَّ بِرَدِّهَا: هُوَ ( مَرَّتَانِ ) مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، كَمَا إذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: سَبِّحْ مَرَّتَيْنِ .
أَوْ سَبِّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
أَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ .
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ .
سُبْحَانَ اللَّهِ .
حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْعَدَدَ .
فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْمُلَ ذَلِكَ فَيَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ .
لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَّحَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ .
بَلْ قَالَ: { مَرَّتَانِ } فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْت طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، أَوْ عَشْرًا ، أَوْ أَلْفًا .
لَمْ يَكُنْ قَدْ طَلَّقَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَةَ: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ .
سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ .
سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَى نَفْسِهِ .
سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ .
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ التَّسْبِيحَ بِعَدَدِ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا .
وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ .
لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَبَّحَ تَسْبِيحًا بِقَدْرِ ذَلِكَ .
فَالْمِقْدَارُ تَارَةً يَكُونُ وَصْفًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ ، وَفِعْلُهُ مَحْصُورٌ
وَتَارَةً يَكُونُ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ ، فَذَاكَ الَّذِي يُعَظِّمُ قَدْرَهُ ؛ وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ .