فهرس الكتاب
وَقَوْلُهُ: { فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ } .
وَهِيَ إذَا لَمْ تَكُنْ سَائِمَةً قَدْ يَكُونُ فِيهَا الزَّكَاةُ - زَكَاةُ التِّجَارَةِ - وَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ، وَمَنْ لَمْ يُقِمْهَا
فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَكَقَوْلِهِ: { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .
وقَوْله تَعَالَى: { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ } .
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ يَعْمَلُ عَمَلًا آخَرَ يَرْجُو بِهِ رَحْمَةَ اللَّهِ مَعَ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ .
فَلَوْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَقَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ ؛ بِخِلَافِ الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ صَاحِبِهِ بِأَنَّهُ لَا يُرَاجِعُهَا فِيهِ ؛ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: { ارْجِعْهَا إنْ شِئْت } ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: { مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا } .
فَأَمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ ، وَالرَّجْعَةُ يَسْتَقِلُّ بِهَا الزَّوْجُ: بِخِلَافِ الْمُرَاجَعَةِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ: مَا أَرَدْت بِهَا إلَّا وَاحِدَةً .
فَرَدَّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَبُو دَاوُد لَمَّا لَمْ يَرْوِ فِي سُنَنِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ: حَدِيثُ"أَلْبَتَّةَ"أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ: { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا } ، لِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ أَعْلَمُ ؛ لَكِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَكَابِرَ الْعَارِفُونَ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ ، وَغَيْرِهِ: ضَعَّفُوا حَدِيثَ أَلْبَتَّةَ ، وَبَيَّنُوا أَنَّ رُوَاتَهُ قَوْمٌ مَجَاهِيلُ ، لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُمْ وَضَبْطُهُمْ ، وَأَحْمَدُ أَثْبَتَ حَدِيثَ الثَّلَاثِ ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الصَّوَابُ مِثْلُ قَوْلِهِ: حَدِيثُ رُكَانَةَ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ .
وَقَالَ
أَيْضًا: حَدِيثُ رُكَانَةَ فِي"أَلْبَتَّةَ"لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِيهِ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا } .
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ مَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ .
وَأَحْمَدُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الثَّلَاثَ جَائِزَةٌ ، مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ .
فَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: حَدِيثُ رُكَانَةَ مَنْسُوخٌ .
ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ طَلَاقٌ مُبَاحٌ إلَّا الرَّجْعِيُّ عَدَلَ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهُ أَفْتَى بِخِلَافِهِ ، وَهَذَا عِلَّةٌ عِنْدَهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ؛ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى الَّتِي عَلَيْهَا أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .