فهرس الكتاب
وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِهِ ، كَمَا يُعْرَفُ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِالنَّذْرِ ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ حَاجَةً فَقَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرَضِي .
أَوْ قَضَى دَيْنِي ، أَوْ خَلَّصَنِي مِنْ هَذِهِ الشِّدَّةِ ؛ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ .
أَوْ أَصُومَ شَهْرًا ؛ أَوْ أُعْتِقَ رَقَبَةً ؛ فَهَذَا تَعْلِيقُ نَذْرٍ يَجِبُ
عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .
وَإِذَا عَلَّقَ النَّذْرَ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ فَقَالَ: إنْ سَافَرْت مَعَكُمْ إنْ زَوَّجْتِ فُلَانًا .
أَنْ أَضْرِبَ فُلَانًا .
إنْ لَمْ أُسَافِرْ مِنْ عِنْدِكُمْ ؛ فَعَلَيَّ الْحَجُّ .
أَوْ: فَمَالٍ صَدَقَةٌ .
أَوْ: فَعَلَيَّ عِتْقٌ .
فَهَذَا عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ هُوَ حَالِفٌ بِالنَّذْرِ ؛ لَيْسَ بِنَاذِرٍ .
فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَهُ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَكَذَلِكَ أَفْتَى الصَّحَابَةُ فِيمَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ .
أَنَّهُ يَمِينٌ يُجْزِيهِ فِيهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ فِي هَذَا كُلِّهِ لَمَّا أَحْدَثَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ تَحْلِيفَ النَّاسِ بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ - وَهُوَ التَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ ؛ وَالْعَتَاقِ ؛ وَالتَّحْلِيفُ بِاسْمِ اللَّهِ ؛ وَصَدَقَةِ الْمَالِ .
وَقِيلَ: كَانَ فِيهَا التَّحْلِيفُ بِالْحَجِّ - تَكَلَّمَ حِينَئِذٍ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ ، وَتَكَلَّمُوا فِي بَعْضِهَا عَلَى ذَلِكَ .
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا حَنِثَ بِهَا لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الطَّلَاقُ ، وَالْعَتَاقُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلَى هَذَا جِنْسُ أَيْمَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ ؛ لَا يَلْزَمُ بِهَا شَيْءٌ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هِيَ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ يَلْزَمُ فِيهَا مَا يَلْزَمُ فِي سَائِرِ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ .
وَاتَّبَعَ هَؤُلَاءِ مَا نُقِلَ فِي هَذَا الْجِنْسِ عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ لَمْ تَكُنْ امْرَأَةٌ تُرَدُّ إلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحِ تَحْلِيلٍ ، وَكَانَ إنَّمَا يُفْعَلُ سِرًّا ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ؛ وَشَاهِدَيْهِ ، وَكَاتِبَهُ وَلَعَنَ الْمُحَلِّلَ ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .
قَالَ
التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
{ وَلَعَنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا: الْآخِذَ ، وَالْمُعْطِيَ ، وَالشَّاهِدَيْنِ ، وَالْكَاتِبَ } ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ يُكْتَبُ وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ ، وَلَعَنَ فِي التَّحْلِيلِ: الْمُحَلِّلَ ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ، وَلَمْ يَلْعَنْ الشَّاهِدَيْنِ وَالْكَاتِبَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ تُكْتَبُ الصَّدَاقَاتُ فِي كِتَابٍ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ الصَّدَاقَ فِي الْعَادَةِ الْعَامَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَا يَبْقَى دِينَارٌ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى كِتَابٍ وَشُهُودٍ ، وَكَانَ الْمُحَلِّلُ يَكْتُمُ ذَلِكَ هُوَ وَالزَّوْجُ الْمُحَلَّلُ لَهُ .
وَالْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالشُّهُودُ لَا يَدْرُونَ بِذَلِكَ .