فهرس الكتاب
"نهاية المحتاج"من كتب الشافعية، ذكر اختلاف أهل العلم في النطفة قبل تمام الأربعين على قولين:
(قيل: لا يثبت لها حكم السقط والوأد.
وقيل: لها حرمة، ولا يباح إفسادها، ولا التسبب في إخراجها بعد استقرارها في الرحم). (نهاية المحتاج للرملي 8 / 416 ط. الحلبي) .
ومنهم من فرق بين مرحلة تخلق الجنين ومرحلة ما قبل تخلقه، فرخص في الإجهاض قبل التخلق دون ما بعده.
وفى"النوادر"من كتب الحنفية: (امرأة عالجت في إسقاط ولدها، لا تأثم ما لم يستبن شيء من خلقه) . (انظر: البحر الرائق لابن نجيم 8 / 233 ط. دار المعرفة، بيروت) .
وفى كتبهم سألوا: هل يباح الإسقاط بعد الحبل؟ وأجابوا: يباح ما لم يتخلق شيء منه.
ثم في غير موضع قالوا: ولا يتخلق إلا بعد مائة وعشرين يومًا.
قال محقق الحنفية الكمال بن الهمام: (وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط، لأن التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة) . (فتح القدير 2 / 495 ط. بولاق) .
وكلام هذا العلامة صحيح، يقره العلم في عصرنا.
وإطلاقهم يفيد عدم توقف جواز الإسقاط على إذن الزوج، وهو ما صرح به في"الدر المختار"بقوله: وقالوا: يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج.
ومن الحنفية من رفض الإباحة المطلقة وقال: لا أقول بالحل، إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه، لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء، فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر.
ومنهم من قال: يكره، فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة، كبيضة صيد الحرم.
ولذا قال أهل التحقيق منهم: (فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل) . (الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 2 / 380 ط. بولاق) .
على أن الكثيرين من العلماء خالفوا هؤلاء، ولم يجيزوا الإجهاض ولو قبل نفخ الروح.
ذلك أن هناك طائفة من العلماء تمنع العزل وهو قذف السائل المنوي خارج فرج المرأة وتعتبره لونا من"الوأد الخفي"كما جاء ذلك في بعض الأحاديث، وذلك لما فيه من منع لأسباب الحياة أن تأخذ سبيلها إلى الوجود والظهور... فهؤلاء يمنعون الإجهاض ويحرمونه بطريق الأولى. فإن أسباب الحياة هنا قد انعقدت بالفعل حين التقى الحيوان المنوي الذكرى بالبييضة الأنثوية، في تزاوج وتلاقح جعل منهما كائنا جديدًا يحمل من الخصائص الوراثية ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
على أن هناك من العلماء من أجاز العزل لمسوغات وأسباب تتعلق بالأم أو بالوليد السابق، أو بقدرة الأسرة على حسن التربية، أو غير ذلك .. ولكنهم مع هذا لم يجيزوا الإجهاض ونظموه مع الوأد في سلك واحد، وإن اختلفت مرتبتا الجناية.