الصفحة 635 من 35630

مجتمعها، ومن خلاله تُعرف كرامته، وحرصُه على شرفه وعفافه، ومدى تقيدِه بشرع ربِّه الحكيم، ودينِه القويم، وكتابِه الكريم، وبقدر تمسكه به تتجلى مجانبتُه صراط المغضوب عليهم والضالين.

وقد ظلَّ أمر التمسك بالحجاب على الجادة، مذ فُرض إلى منتصف القرن الماضي، لا يشك في وجوبه أحد، ولا يراه أحدٌ من المسلمين سببًا لتأخر، أو إيذاءً للنساء، بل يرونه سببًا لصون المرأة عن كلِّ متعرضٍ لها بفساد، وحمايةً لجماعة المسلمين من الفساد.

ولكن لما وفد من الغرب ما وفد، من عاداتٍ قبيحة، وتقاليد مشينة، وانحلالٍ خُلقي، وشذوذٍ سلوكي، صادف في كثير من المسلمين ضعفًا، وعن الدين بعدًا، وللقوي المتجبر خضوعًا، وبالوافد المسيطر انبهارًا؛ فخرجت على المسلمين صيحاتٌ ينادي بها أناسٌ من أبناءِ جلدتنا، ينطقون بألسنتنا، قلوبهم قلوب ذئاب، قلوبٌ ملأها الوافد بحبِّه، وخربها بفساده، وعاث فيها بانحلاله؛ استلم قيادها، فأطاعته خاضعة ذليلة؛ وصارت تنادي بكلِّ ما يريد، وتخطب ودَّه وإن كان باتباع كلّ شيطان مريد.

فأصبح المسلمون وصيحاتُ التغريب تناديهم من هنا وهناك، متزلزلة في نفوس جمهورهم كثير من ثوابتها، حتى تبع من تبع منهم تلك الصيحات، وَصَدَّق بعضهم أنَّ الدين تقاليد وعادات، وبعضهم لم يبق له إلا محيط يستحي من مخالفته، وجماعةٌ لا يجرؤ على الخروج عن نطاقها، وبعضهم لم تعد لديه أدلة يطمئن إليها، وبعضهم عاجز عن مقارعة الحجَّة بالحجّة!

الدّعوة إلى التبرج والسفور:

إنَّ من أكثر الصيحات رواجًا، وأشدّها على أعراض النساء المسلمات خطورة: الدعوة إلى التبرج والسفور، هذه الدعوة التي تلبس للنساء في كلِّ بلد ما يكون تأثيره أشدّ، وزعزعته للثوابت أقوى، فمرة يروجون لها باسم الحرية، ومرة باسم مواكبة المدنية الغربية، ومرة باسم ما شذَّ من آراء فقهية، ومرة بلي أعناق نصوص شرعية، أو بوضعها في غير موضعها، أو بإطلاقها دون قيود، أو إنَّ القيود والضوابط من وضع فقهاء عفا الزمن آثارهم.

وإنَّ هذه الصيحات لا تقف أمام البحث العلمي، بل تولي هاربة بأصحابها، تجر ثياب الخيبة، ولا يملك أهلوها إلا وصم الطرف الآخر بالرجعية، وضيق العطن، وفقه الصحراء البدوي.

ومالنا ولذاك، فإنَّ الحقَّ أبلج، والباطل لجلج، والصبحَ لا يظهر إلا لذي عينين؛ وقد قيل في ذلك شعرًا:

وليس يصح في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النَّهارُ إلى دليلِ

ودعاة السفور أمرُهم بيّن، وحالُهم ظاهر، وتلبيسُهم، عند أهل الحقّ، جلي، لا يخفى على صاحب بصيرة؛ كيف، وقد بيّن الله لنا أمرهم، وأظهر لنا حالهم، وجلى لنا فعالهم؟ وهو القائل - سبحانه: [وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا] (سورة النساء، الآية 27) .

*قال ابن جرير الطبري، - رحمه الله: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم ... (( أن تميلوا ) )عن الحق، وعمَّا أَذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت