فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

الصفحة 6423 من 35630

أَحْمَدُ: إذَا أَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الرّجُلِ أَجْبَرْتُهَا عَلَيْهِ وَهِبْتُ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهَا بِالرّجْمِ لِأَنّهَا لَوْ أَقَرّتْ بِلِسَانِهَا لَمْ أَرْجُمْهَا إذَا رَجَعَتْ فَكَيْفَ إذَا أَبَتْ اللّعَانَ ؟ وَعَنْهُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ يُخَلّى سَبِيلُهَا اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِأَنّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدّ فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيّنَةُ .

فَصْلٌ [ حُجَجُ الْمُوجِبِينَ لِلْحَدّ ]

قَالَ الْمُوجِبُونَ لِلْحَدّ مَعْلُومٌ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الْتِعَانَ الزّوْجِ بَدَلًا عَنْ الشّهُودِ وَقَائِمًا مَقَامَهُمْ بَلْ جَعَلَ الْأَزْوَاجَ الْمُلْتَعِنِينَ شُهَدَاءَ كَمَا تَقَدّمَ وَصَرّحَ بِأَنّ لِعَانَهُمْ شَهَادَةٌ وَأَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ } وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ سَبَبَ الْعَذَابِ الدّنْيَوِيّ قَدْ وُجِدَ وَأَنّهُ لَا يَدْفَعُهُ عَنْهَا إلّا لِعَانُهَا وَالْعَذَابُ الْمَدْفُوعُ عَنْهَا بِلِعَانِهَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وَهَذَا عَذَابُ الْحَدّ قَطْعًا فَذَكَرَهُ مُضَافًا وَمُعَرّفًا بِلَامِ الْعَهْدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى عُقُوبَةٍ لَمْ تُذْكَرْ فِي اللّفْظِ وَلَا دَلّ عَلَيْهَا بِوَجْهِ مَا مِنْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ يُخَلّى سَبِيلُهَا وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَهَلْ هَذَا إلّا مُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ؟ . قَالُوا: وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِعَانَ الزّوْجِ دَارِئًا لَحَدّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَجَعَلَ لِعَانَ الزّوْجَةِ دَارِئًا لِعَذَابِ حَدّ الزّنَى عَنْهَا فَكَمَا أَنّ الزّوْجَ إذَا لَمْ يُلَاعِنْ يُحَدّ حَدّ الْقُذُفِ فَكَذَلِكَ الزّوْجَةُ إذَا لَمْ تُلَاعِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدّ . [ ص 333 ] قَالُوا: وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّ لِعَانَ الزّوْجِ لَوْ كَانَ بَيّنَةً تُوجِبُ الْحَدّ عَلَيْهَا لَمْ تَمْلِكْ هِيَ إسْقَاطَهُ بِاللّعَانِ كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيّ . فَالْجَوَابُ أَنّ حُكْمَ اللّعَانِ حُكْمٌ مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَرْدُودٍ إلَى أَحْكَامِ الدّعَاوَى وَالْبَيّنَاتِ بَلْ هُوَ أَصْلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ شَرَعَهُ الّذِي شَرَعَ نَظِيرَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَفَصّلَهُ الّذِي فَصّلَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَلَمّا كَانَ لِعَانُ الزّوْجِ بَدَلًا عَنْ الشّهُودِ لَا جَرَمَ نَزَلَ عَنْ مَرْتَبَةِ الْبَيّنَةِ فَلَمْ يَسْتَقِلّ وَحْدَهُ بِحُكْمِ الْبَيّنَةِ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ مُعَارَضَتَهُ بِلِعَانِ نَظِيرِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِ اللّعَانَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَنَا وَاَللّهُ يَعْلَمُ أَنّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ فَلَا وَجْهَ لِحَدّ الْمَرْأَةِ بِمُجَرّدِ لِعَانِ الزّوْجِ فَإِذَا مُكّنَتْ مِنْ مُعَارَضَتِهِ وَإِتْيَانِهَا بِمَا يُبَرّئُ سَاحَتَهَا فَلَمْ تَفْعَلْ وَنَكَلَتْ عَنْ ذَلِكَ عَمِلَ الْمُقْتَضِي عَمَلَهُ وَانْضَافَ إلَيْهِ قَرِينَةُ قَوّتْهُ وَأَكّدَتْهُ وَهِيَ نُكُولُ الْمَرْأَةِ وَإِعْرَاضُهَا عَمّا يُخَلّصُهَا مِنْ الْعَذَابِ وَيَدْرَؤُهُ عَنْهَا .

قَالُوا: وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا مَعَ ثَلَاثَةٍ غَيْرَهُ لَمْ تُحَدّ بِهَذِهِ الشّهَادَةِ فَكَيْفَ تُحَدّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ ؟ فَجَوَابُهُ أَنّهَا لَمْ تُحَدّ بِشَهَادَةِ مُجَرّدَةٍ وَإِنّمَا حُدّتْ بِمَجْمُوعِ لِعَانِهِ خَمْسَ مَرّاتٍ وَنُكُولِهَا عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ قُدْرَتِهَا عَلَيْهَا فَقَامَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ دَلِيلٌ فِي غَايَةِ الظّهُورِ وَالْقُوّةِ عَلَى صِحّةِ قَوْلِهِ وَالظّنّ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ أَقْوَى بِكَثِيرِ مِنْ الظّنّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ شَهَادَةِ الشّهُودِ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّهُ أَحَدُ اللّعَانَيْنِ فَلَا يُوجِبُ حَدّ الْآخَرِ كَمَا لَمْ يُوجِبْ لِعَانُهَا حَدّهُ فَجَوَابُهُ أَنّ لِعَانَهَا إنّمَا شُرِعَ لِلدّفْعِ لَا لِلْإِيجَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ } فَدَلّ النّصّ عَلَى أَنّ لِعَانَهُ مُقْتَضٍ لِإِيجَابِ الْحَدّ وَلِعَانَهَا دَافِعٌ وَدَارِئٌ لَا مُوجِبٌ فَقِيَاسُ أَحَدِ اللّعَانَيْنِ عَلَى الْآخَرِ جَمْعُ بَيْنَ مَا فَرّقَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ بَاطِلٌ . قَالُوا: وَأَمّا قَوْلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَيّنَةُ عَلَى الْمُدّعِي فَسَمْعًا وَطَاعَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ و لَا رَيْبَ أَنّ لِعَانَ الزّوْجِ الْمَذْكُورَ الْمُكَرّرَ بَيّنَةٌ وَقَدْ انْضَمّ إلَيْهِ نُكُولُهَا الْجَارِي مَجْرَى إقْرَارِهَا عِنْدَ قَوْمٍ وَمَجْرَى بَيّنَةِ الْمُدّعِينَ عِنْدَ [ ص 334 ] وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْبَيّنَاتِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت