الصفحة 681 من 35630

وفي داخل المطار كانت الموظفة ـ وهى بيضاء! ـ تتضجر من إرهاق العمل، فأراد أن يعزيها ويواسيها، فقالت: رغم كل هذا العناء فأنا سعيدة مادمت في المطار، ولم أفهم أنا شيئًا فقالت: إنهم اللصوص خارج المطار؛ إن"نيويورك"مدينة إجرام فظيع، وأحيانًا أقول: الشقة أنكد من المطار، وأحيانًا أقول: بل المطار أنكد من الشقة!

وفي الفندق كانت الموظفة عجوزًا متغضنة الإهاب محدودبة الظهر شاحبة الوجه، تنوء يدها بمفاتيح الغرف، وتحدثنا معها قليلًا فكانت مأساة من نوع آخر، الزوج طلقها من عقود، والأبناء أحدهما ضائع لا تعلم عنه شيئًا، والآخر في ولاية نائية ولا يهمه من أمرها شيئًا، ومصيرها إلى دار العجزة التي تقول: إنها أنكد سجون أمريكا، ولهذا اضطرت إلى عمل إضافي تضيع فيه وقتها وتجمع قدرًا أكبر من المال، وبالطبع لم نسألها: لأي عمر تجمعه؟! ولم تكنزه؟! فالحياة كلها هناك سفينة هائمة لا يدري راكبها ولا ربانها إلى أين ستمضى {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ} (سورة النمل:66) .

كان مرافقي الكريم طوال الوقت يواسيني ويصبرني على المضايقات التي لم آلفها من قبل: الأجساد العارية، والنظرات الزائغة، والإباحية الساقطة، ولكني كنت في واد وهو في واد آخر.

وأخيرًا صارحته: صحيح أن الإنسان يصعب عليه أن يغض نظره هنا، وإن الفتنة تضطرم في كل مكان، ولكنني لم أجد نفسي في مكان ما أشد أمنًا على نظري وقلبي من هذه البلاد! إنها تنور هائل وأهلها مسجورون فيه، وأكاد أرى اللهيب يشوي هذه الأجساد العارية، فأي فتنة حينئذ؟ إن هذه المناظر مدعاة للإشفاق والرثاء، وإن الإنسان مهما انحط في الشهوة لا إخاله يتلذذ بمناظر المعذبين!

أقول لك: إنني لم أكن أظن أن الشفقة على الكافرين تبلغ بي إلى هذا الحد؟!

نعم، نحن نتألم ونبكي لمصاب المرأة المسلمة في الفلبين وأفغانستان وتايلاند وبورما وإريتريا وغرب أفريقيا، وفي كل مكان، ومع ذلك فإن ديننا دين رحمة يدفعنا أيضًا إلى الرثاء لحال هؤلاء النسوة المنكوبات في بلاد الظلمات.

والآن ـ يا أخي ـ عرفت أكثر بكثير أن مروجي الحياة الغربية في وسائل الإعلام المختلفة ودعاة التبرج والسفور.. وكل دعاة العلمانية في البلاد الإسلامية لا يقلون خطرًا علينا، من الدمار النووي الذي يهددنا به أعداؤنا!؟ ولكن الفرق أننا ندرك خطر هذا ولا ندرك خطر هؤلاء!

*من مقدمة كتاب: كلمات عابرات للمرأة المسلمة المعاصرة، للشيخ محمد أمين مرزا عالم.

ـــــــــــــــــــ

الحجاب ومشاكل الأمّة

أحمد بن محمد الصقر

يتحدث بعض مثقفينا المستغربين عن العلماء والدعاة والجيل الملتزم بكثير من التهم منها: الاهتمام بالقشور والشكليات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت