الصفحة 746 من 35630

الأول لباس البدن، والثاني لباس التقوى، وإن علاقة ما قائمة بين هذين النوعين من اللباس، حيث إن الأول ينبغي أن يكون تعبيرًا عن الثاني وتحفيزًا له ومساعدًا عليه، بينما الثاني لا بد أن يقود إلى الأول من باب أن من يمتلك التقوى لا بد أن يمتثل لأحكام الله - تعالى -، سواء في قضية الحجاب أو في جميع القضايا الحياتية والإنسانية.

إن حاجة الإنسان للتقوى تقوى الله - تعالى - لا تقل عن حاجة الإنسان للطعام، حيث إنه بالتقوى يسلم الإنسان من أخيه الإنسان، وبها يكف أذيته عنه ويأمن شره، فالحجاب هنا بما هو لباس للبدن دعوة إلى لباس الباطن الذي هو التقوى، تلك المفردة التي تستر مساوئ الأخلاق وذميم الملكات، وتعمل على إبدالها بمحاسن الأخلاق وجميل الصفات وممدوح الملكات، فهذا هو الحجاب في حقيقته وجوهره وفلسفته.

وعليه لا يضر في الحجاب وحقيقته أن البعض لا يفهمه على حقيقته، ولم يهتد إلى فلسفته، ولم يضع يراعته على معناه الحقيقي، فإذا كانت الحضارة تحتاج إلى ترشيد العقل، وسلامة النفس من الموبقات والرذائل، فإن في الحجاب دعوة إلى تحرير العقل من أسر الشهوة، وتحفيز لطهارة النفس وإعمارها بالتقوى، ولن يكون الحجاب تعبيرًا عن (الحرمان والمنع والتحريم) .

إن الحجاب يدعو إلى تحويل ميدان المجتمع إلى ساحة تغلب فيها العفة والطهارة على الابتذال والتنافس في إظهار المفاتن، ولا يخفى أن توفير البيئة الاجتماعية المناسبة سوف يسهم في التأكيد أكثر على قيم العمل الصالح والإنتاج المتوازن في جميع الميادين.

إن الحرمان الحقيقي هنا أن الكثيرين حرموا من فهم حقيقة الحجاب، حيث تصوروه جسدًا بلا روح، وقالبًا بلا معنى، وشكلًا بلا مضمون، إن المنع الحقيقي هنا هو ألا تأخذ بالأسباب التي تسهم في منع سفور الشهوة وحجاب العقل، حيث إن الحجاب هنا في فلسفته يعمل على المنع من سفور الشهوة لصالح حجابها وليس كبتها، ويعمل على المنع من حجاب العقل الصالح ظهوره وسفوره.

أما الأسئلة التي تطرح فالإنصاف منا يقتضي إن نقول إنها أسئلة في غاية الأهمية حيث أن الإسلام لا يدعو النساء إلى الحجاب وفقط، بل يدعو النساء إلى الحجاب الذي يستر الرذائل وينمي الفضائل، الحجاب الذي يستر الخبث والشقاوة لصالح العفة والطهارة، الحجاب الذي يستر في الإنسان بعده الحيواني والشهواني لصالح بعده الإنساني والواعي.

وبالتالي ما ذنب الدين إذا كان البعض يتخذه مطية لأغراض دنيوية خاصة، وما جرمه إذا كان البعض يمارسه بشكل خاطيء، أو إذا تلقاه البعض على أساس انه مجرد تقليد اجتماعي موروث، فهل نتخذ هذه العينات ذريعة من أجل تقديم صورة غير صحيحة عن الدين، فنقول على سبيل المثال: (إن الحرمان والمنع والتحريم برزت كجزء أساسي من ايديولوجيا دينية وسياسية مقنعة وانعكس ذلك بصورة الحجاب) .

إن هذا الفهم هو فهم غير صحيح للدين والحجاب، وحقيقة الحجاب كما يجب أن تكون عليه لا تؤخذ من الذين لا يملكون فهمًا علميًا ومنهجيًا وعميقًا للدين وللحجاب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت