الصفحة 8769 من 35630

الْقَوْل الرَّابِعُ: لِلْحَنَابِلَةِ ، وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يَبْقَى عَامًا أَوْ أَكْثَرَ ، وَمَا لاَ يَبْقَى عَامًا (2) .

فَإِنِ الْتَقَطَ مَا يَبْقَى عَامًا ، فَالْمُلْتَقِطُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:

أ - أَنْ يَأْكُل اللُّقَطَةَ فِي الْحَال إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْهَلاَكُ ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِصَاحِبِهَا ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ: هِيَ لَكَ أَوْ لأَِخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ (3) .

فَقَدْ جَعَلَهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي الْحَال وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ ، وَالذِّئْبُ لاَ يَسْتَأْذِنُ فِي أَكْلِهَا .

وَلأَِنَّ فِي أَكْلِهَا فِي الْحَال إِغْنَاءً عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا وَحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِهَا وَدَفْعًا لِغَرَامَةِ عَلَفِهَا ، فَكَانَ أَكْلُهَا أَوْلَى .

(1) روضة الطالبين 5 / 404 .

(2) المغني والشرح الكبير 6 / 364 - 367 .

(3) حديث:"هي لك أو لأخيك أو للذئب . . ."أخرجه البخاري ( فتح الباري 5 / 46 ط السلفية ) ومسلم ( 3 / 1348 ط الحلبي ) من حديث زيد بن خالد الجهني .

ب - أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ وَلاَ يَمْتَلِكَهَا .

فَإِنْ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مُحْتَسِبًا النَّفَقَةَ عَلَى مَالِكِهَا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ، فَفِي الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ رِوَايَتَانِ .

الأُْولَى: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ، لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِيمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا وَجَاءَ رَبُّهَا بِأَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ مَا أَنْفَقَ ، لأَِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا لِحِفْظِهَا ، فَكَانَ مِنْ مَال صَاحِبِهَا .

الثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ لأَِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ بَنَى دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ .

ج - أَنْ يَبِيعَهَا وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا وَأَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، لأَِنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى .

وَإِنِ الْتَقَطَ مَا لاَ يَبْقَى عَامًا:

فَإِنْ كَانَ لاَ يَبْقَى بِعِلاَجٍ وَلاَ غَيْرِهِ ، كَالْبِطِّيخِ وَالْفَاكِهَةِ الَّتِي لاَ تُجَفَّفُ وَالْخَضْرَوَاتِ فَالْمُلْتَقِطُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغَرْمِ قِيمَتِهِ لِمَالِكِهِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِبْقَاؤُهُ خَشْيَةَ تَلَفِهِ .

فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ ، لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ كَالْوَدِيعَةِ .

وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بِالْعِلاَجِ ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ ، فَإِنْ

كَانَ الْحَظُّ فِي عِلاَجِهِ بِالتَّجْفِيفِ أَوْ غَيْرِهِ عَالَجَهُ وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهُ ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى غَرَامَةٍ لِتَجْفِيفِهِ وَإِبْقَائِهِ ، لأَِنَّهُ مَال غَيْرِهِ ، فَلَزِمَهُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت