فهرس الكتاب
فلا يصح في محكم العقول أن يقول قائل: الآية نهت عن التأفف ولم تنه عن السب أو الضرب.
فهذا فهم سقيم، فإن الآية إذ نهت عن أدنى الإثم، فهي ناهية عن الأعلى منه من باب أولى.
ومن فهم هذه المسألة زال عنه الإشكال إن شاء الله...
* قال الكاتب فضل الفضل:"ولكن قبل نقل النصوص لابد أن أشير إلى خطأ علمي يقع فيه كثير من يتكلم عن وجه المرأة وهو ربط الحجاب بالعورة وهذا خطأ شنيع فهناك فرق بين الحجاب وحد العورة"أقول:
استنشاع لا وجه له ولا معنى..
لكنه أراد بهذا المدخل أن يقرر ويؤصل لدعوى خصوصية الحكم بأمهات المؤمنين.. وكما قلت فيما سبق، في التعليق الأول على هذا المقال، أن هذه الآية:
{ وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} ، نص صريح في وجوب تغطية الوجه لا مدفع له، وقد علم المجوزون للكشف هذه الحقيقة، فصاروا يدّعون الخصوصية، لكن الكاتب جاء بمعنى آخر، هو قصره معنى الحجاب على السترة التي تحجز الشخوص حتى لا تُرى؛ وهذه دعوى لا تسلم له.
فإن الحجاب أعم من ذلك وأشمل، فكل شيء حجز بين شيئين فهو حجاب، وعباءة المرأة وجلبابها حاجز بين النظر وبدن المرأة، ولا شك أن تسمية ذلك حجاب صواب، ومن هنا جاز تسمية الأعمى الضرير محجوبا، لكونه منع من النظر إلى الأشياء، فصار العمى حجابا بينه وبين الأشياء.. وهذا المعنى ذكره صاحب لسان العرب ـ الذي نقل عنه الكاتب ـ فقال: والمحجوب: الضرير"... 3/51"
ولو أن الكاتب قرأ قليلا بعد الموضع الذي نقل منه من اللسان لتراجع عن هذا القصر الخاطيء لمعنى الحجاب، والذي بنى عليه أن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين، على معنى أنه لا يجوز لهن إظهار شخوصهن إلا للضرورة كما نقل ذلك عن القاضي عياض.. .... وقد ذهب إلى القول بأن الآية عامة في حق جميع النساء طائفة من المفسرين على رأسهم ابن جرير، الذي قد نقل الكاتب كلامه مجتزأ، حيث نقل آخره، وترك أوله الذي فيه التصريح بأن الآية عامة، وكان ذلك خطأ منه، فإن احتجاجه بقول ابن جرير في هذا الموضع موهم بأن ابن جرير يقول بالخصوص، وليس كذلك، وإليك كلامه بالتمام، قال ابن جرير:
"يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج ) )متاعا {فاسألوهن من وراء حجاب} ، يقول من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن."
{ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} ، يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل".."