الصفحة 956 من 35630

أما بالنسبة للداعية فرصيده الحقيقي أن يبدأ بكتاب الله تعالى، ثم بالتعمق في سيرة وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يطور رصيده بمتابعة المستجدات؛ لأن تفاعل النصوص مع الواقع هو الذي يولد الفقه الذي يحتاجه الناس.

والداعية إلى الله يجب أن يهتم بنفسه؛ فيؤكد على معاني الإخلاص لله تعالى، ويركز على معنى العطاء والبذل؛ فإننا نخطئ حين نترك للدعوة فضول أوقاتنا، بل يجب أن تجري الدعوة إلى الله في دمائنا.. وعلى الداعية أن يستفيد من سير الدعاة إلى الله تعالى؛ مثل قصة نبي الله نوح عليه السلام؛ وألا يترك وقتًا من ليل أو نهار ولا وسيلة من جهر وإعلان وإسرار إلا واستفاد منها في دعوته، فإن نبي الله يوسف عليه السلام جعل من السجن ميدانًا للدعوة.

ونحن من خلال إجاباتنا على الاستشارات نحاول الدخول لقلب هذا الإنسان؛ لندعوه إلى الله تبارك وتعالى، وهذا جانب ينبغي أن يهتم به المفتي، والمستشار ومفسر الأحلام، فيقدم لهم دعوته قبل أن يحل للسائل مشكلته، وأرجو أن يكون الدعاة قبلة يقصدها الناس لحوائجهم ومعضلاتهم كما قال السجناء لنبي الله يوسف دون غيره"نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين".

•الدعوة في ظل هذا الخضم وغياب الهوية الإسلامية والصعوبات التي تعترض الداعية .. كيف تراها؟

الدعوة إلى الله تعالى يأبى الله إلا أن تكون مهمة شاقة، لأنها مهر للجنة؛ والجنة حفت بالمكاره والأشواك.. هذا معنى يجب أن يدركه الدعاة؛ لكن الداعية مصباح؛ لا يقول:"ما بال الدنيا مظلمة"ولكن حسبه أن يقول:"ها أنا ذا مضيء".

والدعوة إلى الله هي كضوء الشمس، فإذا خرجت الشمس فلا مكان للجراثيم، وما راجت هذه الأفكار، وظهرت هذه الانحرافات إلا بتقصير الدعاة إلى الله تعالى، وبعدم تنسيق الجهود بين الدعاة إلى الله تعالى، فإنه مثلًا إذا واجهنا الأعداء بشبهة أخرجنا مئات الردود.. فما نكاد نفرغ من هذا الرد إلا وجاءتنا شبهة أخرى؛ فنظل محصورين؛ ندافع عن أنفسنا فنحرم الناس من طرح هذا الإسلام وهذا الخير.. أرى أن يكون هناك تنسيق في الجهود بين الدعاة إلى الله للرد على تلك الشبهات؛ كأن تكلف مجموعة ويتفرغ الباقون للدعوة إلى الله تعالى. فالناس يجهلون أصول الدين؛ لذلك هم يتأثرون بتلك الشبهات؛ فعلينا أن نعمل لتحصينهم بإيصال العقيدة الصحيحة، وغرس قيم الإيمان الراسخة؛ لأن الأطباء يقولون: الجراثيم موجودة في كل مكان لكن لا يصاب بالمرض إلا من فقد مناعته. وكذلك لا يسقط في المعاصي والآثام إلا من فقد مناعة الإيمان بالله تعالى. فالإيمان للإنسان كالمناعة للأبدان.

وكذلك على الدعاة أن يحصروا الخلافات التي تحدث بين العلماء؛ فليس من الصواب نشرها بين الجماهير المسلمة التي ربما يكون فيها من لا يحسن الفاتحة؛ لكنه يحفظ الخلاف!! ولعل بعض السلف عندما جاء أحد يحدثه عن الخلاف فسأله عن الفاتحة وتفسيرها، فلما علم أنه لا يحسنها أمره بحفظها.. وقد ورد في الأثر رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.. فمن مصلحة الدعوة أن يكون الخلاف محصورًا بين العلماء؛ كل يجلس للآخر، ويسمع ما عنده؛ فقد كان سفيان بن عيينة رحمه الله يدرس الطلاب؛ فقال بعضهم: إن الإمام الثوري أخذ عطية السلطان، ودخل عليه.. فغضب الإمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت