(أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وهو قوله تعالى (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي فاخشون، قال ابن كثير: وقال ابن عباس في قوله تعالى (وإياي فارهبون) أي إن نزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
-قال ابن كثير: وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
-الرهبة: أشد الخوف.
-والخوف ثلاثة أنواع:
الأول: خوف طبيعي كخوف الإنسان من السبع والنار والغرق، وهذا لا يلام عليه العبد، قال تعالى عن موسى (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) .
الثاني: خوف العبادة، أن يخاف أحدًا يتعبد بالخوف له فهذا لا يكون إلا لله، وصرفه لغير الله شرك أكبر.
الثالث: خوف السر، كأن يخاف صاحب القبر، أو وليًا بعيدًا عنه لا يؤثر فيه، لكنه يخافه مخافة سر، فهذا ذكره العلماء من الشرك.
(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) يعني بالقرآن الذي أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا مشتملًا على الحق من الله تعالى مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
-قال أبو العالية رحمه الله في قوله تعالى (وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم) يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم, يقول لأنهم يجدون محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
-قال الرازي: اعلم أن المخاطبين بقوله (وَءامِنُوا) هم بنو إسرائيل ويدل عليه وجهان:
الأول: أنه معطوف على قوله (اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت.
الثاني: أن قوله تعالى: (مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ) يدل على ذلك.
-قوله تعالى (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان:
أولًا: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله.
ثانيًا: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به.
(وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
فالضمير في قوله (به) عائد إلى القرآن والمعنى: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن وحقكم أن تؤمنوا به.
-فإن قيل: كيف قال (أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) مع أن كفار قريش بمكة قد كفروا قبلهم؟
الجواب: قال ابن كثير: يعني (به) أول من كفر به من بني إسرائيل, لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير, وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة , فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفْرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
-اختار ابن جرير أن الضمير في قوله (به) عائد على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان.
(وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها, فإنها قليلة فانية، فإنهم يعتقدون أن هذه المناصب - كالرياسة والمال والجاه والمآكل - تنقطع إذا آمنوا بالله ورسوله.