الصفحة 106 من 516

-قال ابن عاشور: عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجَّه إلى علماء بني إسرائيل وهم القدوة لقومهم، والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: لو آمن بي عشرة من اليهود لآمَن بي اليهودُ كلهم.

وقال رحمه الله: ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته.

وقال رحمه الله: (ثمنًا قليلًا) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.

-قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.

سئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.

-فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة.

وقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.

قال الحسن -رحمه الله: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله) .

قال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (207 هـ) -رحمه الله: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكًا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى) .

قال يوسف بن زكريا -رحمه الله: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء) .

جلس الحسن -رحمه الله - يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد) .

قال وهب بن منبه - توفي سنة (114 هـ) -رحمه الله: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء) .

قال أبو حازم -رحمه الله - لا تكون عالمًا حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة) .

قال مطرف بن عبد الله -رحمه الله - إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء) .

قال شميط بن عجلان -رحمه الله - يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله عز وجل (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت