الصفحة 116 من 516

(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) .

[البقرة: 47] .

(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) سبق شرحها.

-قوله تعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) المراد بالذكر هنا: ذكر يحمل على الشكر، ومن شكر تلك النعمة المأمور به: تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه فيما جاء به.

-قوله تعالى (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) سبق ذكر بعض هذه النعم: كالإنجاء من فرعون، وإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام وغيرها، وقد جرت العادة في القرآن أن الله يمتن على الموجودين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنعم التي أنعمها على أسلافهم الماضين، وكذلك يعيبهم بالمعائب التي صدرت من أسلافهم الماضين، لأنهم أمة واحدة، ولأن الأبناء يتشرفون بفضائل الآباء، فكأنهم شيء واحد، ولذلك كان جل وعلا يمتن على هؤلاء بنعمه على الأسلاف، وكذلك يعيبهم بما صدر من الأسلاف لأنهم جماعة واحدة.

-قال الآلوسى: (يا بَنِي إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم) كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هي فرد من أفرادها.

(وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن محمد - صلى الله عليه وسلم - هي أفضل الأمم على الإطلاق، والجواب عن هذه الآية:

الجواب الأول: أن الله فضل بني إسرائيل على عالم زمانهم، بينما الأمة المحمدية مفضلة على سائر الأمم.

وهذا قول جمهور المفسرين.

قال أبوة العالية: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان, فإن لكل زمان عالمًا.

قال ابن كثير: ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم.

لقوله تعالى, خطابًا لهذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .

ولقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه أحمد.

ولقوله - صلى الله عليه وسلم - (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، ... وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم) رواه أحمد.

ولقوله - صلى الله عليه وسلم - (يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر) رواه البخاري.

ومن الآيات المبينة لفضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على أمة موسى أنه قال في أمة موسى (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) فجعل أعلى مراتبهم الفئة المقتصدة، بخلاف أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقسمهم إلى ثلاث طوائف، وجعل فيهم طائفة أكمل من الطائفة المقتصدة وذلك في قوله في فاطر (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت