الصفحة 50 من 516

-والشيطان في لغة العرب: هو كل عات ومتمرد، سواء كان من الجن أو من الإنس أو من غيرهما، وقد جاء في القرآن إطلاق الشياطين على العتاة المتمردين من الإنس والجن، كما قال جل وعلا (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) وكما هذه الآية (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي: رؤسائهم وعتاتهم المتمردين، وفي الحديث (الكلب الأسود شيطان) .

(قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) قالوا: إنا معكم، قال ابن عباس: أي إنا على مثل ما أنتم عليه.

(إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) أي نستهزاء بالقوم ونلعب بهم.

(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) عن ابن عباس: قال: يسخر بهم للنقمة منهم.

-قال أبو حيان: وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء الله بهم ما يدل على عظم شأن المؤمنين وعلو منزلتهم، وليعلم المنافقون أن الله هو الذي يذب عنهم ويحارب من حاربهم.

-في الآية أن الله يستهزاء بمن يستهزء به.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله مبينًا ما يوصف الله به وما لا يوصف به:

إذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها، فهي ممتنعة في حق الله تعالى كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز.

وإذا كانت الصفة كمالًا لا نقص فيها فإن الله يوصف بها مطلقًا، كالحياة، والعلم، والسمع، والعزة.

وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله تعالى ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، بل يُفصّل فيها: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، فهذه صفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى (ويمكرون ويمكر الله) وقوله (إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا) ، وقوله (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) وقوله (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزاء بهم) .

وأما الخيانة فلا يوصف بها مطلقًا لأنها صفة ذم مطلقًا، ولذلك لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تعالى (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) ولم يقل فخانهم.

(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: يزيدهم، في طغيانهم: أي فجورهم وكذبهم، يعمهون: أي حائرون مترددون.

-وأصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى (إنا لما طغى الماء) أي ارتفع وعلا، وقوله في فرعون (إنه طغى) أي أسرف في الدعوى.

الفوائد:

1 -بيان النفاق: وهو إظهار الإسلام والإيمان وإبطان الكفر والشر.

2 -أن الجزاء من جنس العمل فمن استهزأ بالله استهزأ الله به، وهذه قاعدة معروفة بالشرع أن الجزاء من جنس العمل.

قال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقال تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى) وقال تعالى (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - (من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم، وقال - صلى الله عليه وسلم - (الراحمون يرحمهم الله) رواه أبو داود، وقال - صلى الله عليه وسلم - (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم، وقال - صلى الله عليه وسلم - (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) رواه البخاري، وقال - صلى الله عليه وسلم - (من وصل صفًا وصله الله) رواه أبو داود.

3 -أن الله قد يملي للإنسان ويطيل عمره استدراجًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت