الصفحة 80 من 516

-قال القرطبى: واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من مَوْتة وحياة للإنسان؟ فقال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتًا معدومين قبل أن تُخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة.

-قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا مَحِيد للكفار عنه لإقرارهم بهما؛ وإذا أذعنتْ نفوس الكفار لكونهم أمواتًا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها قَوِي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها.

(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم الجزاء الأوفى.

-قال ابن القيم: فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة، فذكر تعالى أربعة أمور، ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم، والرابع منتظر موعود به وعد الحق:

الأول: كونهم كانوا أمواتًا لا أرواح فيهم بل نطفًا وعلقًا ومضغة مواتًا لا حياة فيها.

الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.

الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.

الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه، فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول، ويكذب بالرابع، وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق.

-قوله تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ .. ) استفهام المراد منه التوبيخ والتقرير، فيُتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجج.

الفوائد:

1 -إثبات الموت لقوله (ثم يمييتكم) .

كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) . وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) .

وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ) وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) .

2 -إثبات البعث.

3 -إثبات الجزاء والحساب.

4 -فيه الاستعداد ليوم الحساب بالإكثار من الأعمال الصالحة التي تنجيه من كرب يوم القيامة.

5 -أن المرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) وقال تعالى (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) .وقال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وقال تعالى (اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

[البقرة: 29] .

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي خلق لكم، برًا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أي ثم قصد إلى السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت