فهرس الكتاب
ولنمض مع هذا الشطر من المزمور لنتعرف على شخصية المتحدث فيه ، إنه يبدأ بأن يطلب إلى الرب أن يستمع له ، أن يرحمه ويستجيب له ، وهو يذكر الله بأنه قال أن يطلبوا وجهه وها هو ذا يفعل فيطلب وجهه ، ويسأله ألا يحجب وجهه عنه وألا يخيب بسخط عبده المتكلم بطبيعة الحال ، ويسأل الله ألا يتركه ، وألا يرفضه وهنا نجد أن صيغة الدعاء تختلف تمامًا عن كل ما سبق من دعاء رأينا أنه يرمز إلى دعاء المسيح لله أن يخلصه ، ففي الأدعية الأخرى التي ترمز لدعاء المسيح نري الداعي فيها يطلب من الله أن يعامله مثل كماله ومثل حقه وألا يستجيب له إن وجد فيه ظلمًا ، .. إلى آخر ذلك مما وجدناه من دعاء لاحظنا دائمًا أنه إنما كان يتحدث بلهجة صاحب الحق الحقيق بأن يستجاب دعاؤه ، الواثق من أن الله سيستجيبه ، أما في هذا الشطر من المزمور ، فإن الداعي لا يستند في دعائه إلى أي حق إطلاقًا ، وإنما هو يطلب وجه الرب لأن الرب قال أن يطلب وجهه ، وهو غير واثق من استجابة الرب لدعائه ، بل إنه يخشى أن يخيبه الله بسخطه ، والمستحيل أن يسخط الله على مسيحه أو أن يتصور المسيح أن الله يسخط عليه ، وإنما الذي يتصور هذا حقًا هو يهوذا الأسخريوطي لخيانته للمسيح عليه السلام ، ولذلك أيضًا فهو غير واثق من استجابة الله لدعائه .
ثم إن المزمور يذكر على لسان المتحدث أن أباه وأمه قد تركاه ، والذي يعرفه الجميع أن المسيح كان من أم فقط وليس له أب ، بعكس يهوذا بطبيعة الحال ، والذي كان كغيره من البشر من أب وأم ، ومن ثم فإن هذا الشطر من المزمور ، لا يمكن أن يكون المقصود منه هو المسيح عليه السلام ، وإنما آخر غيره .