الصفحة 89 من 148

إن الزنادقة الذين أنشئوا هذا الدين، وركَّبوه، ونقلوه إلى المسلمين، ولبَّسوا به عليهم، هؤلاء واجهتهم الأمَّة بالإنكار، واجهتهم بالرد، والتكذيب حتى العوام مِن المسلمين، ودمغوهم بالكفر، والزندقة، وقلَّ أن تجد عالمًا مِن كبار الصوفيَّة إلا واتُّهم بالزندقة ؛ إمَّا أن يكون قُتل بتهمة الزندقة، أو اتُّهم بها، أو سجن كما سجن ذو النون، وكما اتُّهم الجنيد، وقتل الحلاج، وكثيرون مِن هذا النوع، واستدل العلماء، والمسلمون بظاهر حالهم هذا المخالف للشرع على خبث الباطن، وعلى خبث الطوية ؛ لأنَّه ليس بوسع المسلم أن يرى رجلًا يمشى مكشوف العورة، أو رجلًا يرتكب الفاحشة في البهائم علانية، ويترك الجمع، ويترك الجماعات، ويُقره على ذلك ؛ فضلًا عن أن يعتقد أن هذا مِن رجال الغيب، أو مِن أولياء الله، لا يمكن هذا أبدًا.

الزنادقة أرادوا أن يخترعوا تقاة، أو تقية، خديعة شيطانية، أرادوا أن يوقعوا بها النَّاس، وأرادوا أن يلبِّسوا بها على المسلمين، فقالوا لهم: هؤلاء القوم أولياء، وصلت بهم مجاهدة النفس إلى حد استعذاب الأذى في ذات الله تعالى، وإلى استجلاب تهمة الناس لهم، هم يدْعون النَّاس إلى أن يتهموهم، وأن يلوموهم، وأن يتكلموا فيهم، وأن يكرهوهم، وأن يحتقروهم، هم يريدوا بذلك أن يُنقُّوا أنفسهم، ومحبتهم لله، وأن يتجردوا عن الرياء، وعن الشهرة، وأن يسقطوا مِن عين الخلق، ويبقوا في عين الحق كما يقولون، فهم متعمِّدون في هذا، ويحبون أن يقول النَّاس أنَّهم زنادقة! وأنَّهم مخالفون! وأنهم كذا، ويستمرون على إظهار هذه الأحوال على حد قول الشاعر كما هم يقولون:

أجد الملامة في هواك لذيذة حبًّا لذكرك فليلمني اللُّوَّم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت