فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 183""""""
يصوَّر لعاقلٍ لبيب ، أنَّ الغراب النّاعب صدح بتشبيب ، وأنَّ العصافير الطّائرة بأجنحةٍ ، كعصافير المنذر الكائنة للتَّمنحة ؟ وكيف يظنُّ الظانُّ أن للطائر أساجيع حمامة ، وإنَّه لأخرس مع الدَّمامة ؟ فبعد من زعم أنَّ الحجر متكلِّمٌ ، وأنَّه عند الضَّرب متألِّم . ومن ألتمس من اللُّغام كسوةً ، فإنَّه لا يجد إسوةً .
ولو أنِّى لا أشعر بما يقال فيَّ ، لأرحت من إنكاري وتلافيّ ، وكنت كالوثن: سواءٌ عليه إن وقِّر من الوقار ، وإن أوقر من الأوقار وكالأرض السَّبخة ما تحفل أن قيل: هي مريعة ، أو قيل لها: بئست الزَّريعة ؛ وكالفرير المعتبط: ما يأبه لقول الآكل: إنّه لساحٌّ ولا إذا قصب: إنَّه بالدِّكة شاحٌ . والله المستنصر على الإلاقيّ ، لم توزن الراكدة بالأواقيّ والإلاقيُّ منسوبٌ إلى الإلاق وهو البرق الكاذب وكيف أغتبط إذا تخرِّص عليَّ ، وعزيت المعرفة إليَّ ؟ ولست آمنًا في العاقبة ، فضيحةً غير مصاقبة ، ومثلي ، إن جذلت بذلك ، مثل من اتُّهم بمالٍ ، فاعتقد أنَّ ما ذاع من الخبر يأتيه بجمال ، فسرّه قول الجهلة: إنّه لحلف اليسار . فطلب منه بعض السَّلاطين أن يحمل إليه جملةً وافرةً ، فصادف كذوبةً زافرة ، وضربة كي يقرَّ ، وقتل في العقوبة ولم يعظ البرّ .
وقد شهد الله أنِّي أجذل بمن عابني ، لأنّه صدق فيما رابني ، وأهتمُّ لثناءٍ مكذوب ، يتركني كالطَّريدة العذوب ، ولو نطحت بقرني الجرادة ، لامتنعت من كلِّ إرادة ، فأمّا روق الوعل ، فأعوزه عندي نطيحٌ ، لأنِّي بروق الظّبي أطيح . فغفر الله لمن ظنَّ حسنًا بالمسيء ، وجعله حجّة في النَّسيء . ولولا كراهتي حضورًا بين النّاس ، وإيثاري أن أموت ميتة علهبٍ في كناس ، فاجتمع معي أولئك الخائلون ، لصحَّ أنَّهم عن الرُّشِد حائلون ، وأتار لهم الحقُّ الطّامس وقبض على القتاد اللاّمس .