فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 199""""""
يقال: الزمان شيء أقل جزءٍ منه يشتمل على جميع المدركات ، وهو في ذلك ضد المكان ، لأن أقل جزءٍ منه لا يمكن أن يشتمل على شي كما تشتمل عليه الظروف ، فأما الكون فلا بد من تشبثه بما قل وكثر .
والذين قالوا: ' وما يهلكنا إلى الدهر ' وغير ذلك من المقال ، مثل البيت المنسوب إلى الأخطل ، وذكره حبيب بن أوسٍ لشمعلة التغلبي ، وهو:
فإن أمير المؤمنين وفعله . . . لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
وقول الآخر:
الدهر لاءم بين ألفتنا ، . . . وكذاك فرق بيننا الدهر
وقل أبي صخر:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا ، سكن الدهر لم يدع أن أحدًا منهم كان يقرب للأفلاك القرابين ، ولا يزعم أنها تعقل ، وإنما ذلك شيء يتوارثه الأمم في زمان بعد زمان .
شاتم الدهر
وكان في عبد القيس شاعر يقال له ' شاتم الدهر ' ، وهو القائل:
ولما رأيت الدهر وعرًا سبيله ، . . . وأبدى لنا وجهًا أزب مجدعا
وجبهة قرد كالشراك ضئيلة ، . . . وأنفًا ، ولوى بالعثانين أخدعا
ذكرت الكرام الذاهبين أولي الندى . . . وقلت لعمرو والحسام: ألا دعا
وأما غيظه على الزنادقة والملحدين فأجره الله عليه ، كما أجره على الظمأ في طريق مكة ، واصطلاء الشمس بعرفة ، ومبيته بالمزدلقة . ولا ريب أنه ابتهل إلى الله ، سبحانه ، في الأيام المعدودات والمعلومات ، أن يثبت هضاب الإسلام ، ويقيم لمن اتبعه النير من الأعلام . ولكن الزندقة داء قديم ، طالما حلم بها الأديم . وقد رأى بعض الفقهاء أن الرجل إذا ظهرت زندقته ثم تاب فزعًا من القتل ، لم تقبل توبته . وليس كذلك غيرهم من الكفار ، لأن المرتد إذا رجع قبل منه الرجوع .