فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 234""""""
بعد السبعين
فأمّا الغانيات بعد السبّعن ، فالأشيب لديهن كالعاسل يباكر العين ، وقد حكي أنّ أبا عمرو بن العلاء كان يخضب ، فاشتكى في بعض الأيام ، فعاده بعض أصحابه ، فال: تقوم إن شاء الله تعالى من علتّك . فقال: ما آمل بعد ستٍ وثمانين . وعاد إليه وقد تماثل فقال: لا تحدث بما قلت لك . وهذا من ظريف ماروي ، رغب في تمويهّ بالخضاب ، وكتم سنه عن كلّ الأصحاب .
وقد تحدّث بعض طلاّب الأدب انّه ، أدام الله تزيين المحافل بحضوره ، ذكر التزويج يريد الخدمة ، فسرني ذلك ، لأنّه دل على إقامة بالوطن ، وفي قربه الفرحة لذوي الفطن . إذ كان كالشجّرة الوارف ظلالهما في الهواجر ، والبارد هواؤها في ناجر ، والطّيب ثمرها للذّائق ، والأرج نسيمها للناشق .
وهو يعرف حكاية الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيّا الشوابّ ؛ ولا خيرة عند التّواب ، ولكن النّصف ، ممنّ يوصف:
لاتنكحن عجوزًا إن أتيت بها . . . واخلع ثيابك عنها ممعنًا هربًا
وإن أتوك وقالوا: إنهّا نصف . . . فإنّ أطيب نصفيها الذي ذهبا
لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ولعله تقدر له كصاحبة أبي الأسود أمّ عمروٍ ، ورب خيرٍ تحت الخمر:
كثوب اليماني قد تقادم عهده . . . ورقعته ماشئت في العين واليد
أو كما قال الآخر:
ضناك على نيرين أمست لداتها . . . بلين بلى الريّطات وهي جديد
وحكي عن أبي حاتمٍ سهل بن محمد أنّه قرأ على الأصمعي شعر حساّن بن ثابت ، فلمّا انتهى إلى قوله:
لم تفتها شمس النّهار بشيء . . . غير أن الشباب ليس يدوم