فهرس الكتاب
وإذا كان كذلك ؛ فقد يرى الصحابيُّ الدليل الدال على التحريم صحيحًا ، وغيره لايراه كذلك ، أو يوافقه غيره على صحة الدليل؛ لكن يعارضه عنده ما هو أقوى منه وأنهض في الدلالة ، من هذا الدليل .
أما إذا صرح الصحابي بأن هذا الشئ معصية أو كفر ، ولم يكن ذلك من قبيل الرأي والاجتهاد ، وكذا لايكون الصحابي ممن يروي عن أهل الكتاب ؛ فالظاهر أن عنده نصًّا بذلك عنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والله أعلم .
وقد ذكر الحافظ في"النكت" [1] أن ابن عبدالبر حكى الإجماع على أن هذا الحكم من الصحابي مسند .
قال: وبذلك جزم الحاكم في"علوم الحديث"اهـ .
قال السخاوي مستظهرًا القول برفع ما هذا سبيله:"ومن الأدلة للأظهر: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - حدَّث كعب الأحبار بحديث:"فُقِدَتْ أمَّةٌ من بني إسرائيل ، لايُدْرَى ما فَعَلَتْ"قال كعب: أأنت سمعتَ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقوله ؟ فقال له أبوهريرة: نعم ، وتكرر ذلك مرارًا ، فقال له أبوهريرة: أفأقرأ التوراة ؟!! أخرجه البخاري."
قال: قال شيخنا: فيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب ، وأن الصحابي الذي يكون كذلك، إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه؛ يكون للحديث حكم الرفع"اهـ ."
قال السخاوي:"وهذا يقتضي تقييد الحكم بالرفع لصدوره عمن لم يأخذ عن أهل الكتاب" [2] .
فإن قيل: يُحتمل أن الصحابي الذي لايأخذ عن أهل الكتاب يأخذ عن صحابي آخر يأخذ عنهم ، فيعود الكلام - وإن كان لامجال للرأي فيه ، وراويه لايروي عن الإسرائيليات - إلى أهل الكتاب .
فالجواب: أن هذا خلاف الأصل ، وما كان كذلك ؛ فلا يُعَوَّل عليه إلابدليل يدل عليه ، ولو طردنا مثل هذه الاحتمالات؛ لأسقطنا أشياء كثيرة يُحتج بها عند أهل العلم ،والله أعلم .
(2) "فتح المغيث" ( 1 / 150 ) وانظر كلام الحافظ في"الفتح" ( 6 / 407 ) الحديث ( 3305 ) .