فهرس الكتاب
الجواب: وَجْهُ من قال بقبوله: أن هذا إمام خبير بهذا الشأن، والأصل قبول قوله، وإعماله أولى من إهماله، وأن هذا من باب العمل بخبر العدل في فنه، وقياسًا على قبولهم بعض الروايات مع عدم الاتصال، لمعرفتهم بثقة الواسطة، كما قالوا في أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه، والنخعي عن بن مسعود، وحميد عن أنس في كثير من الروايات، وأيضًا فخلاف الغير لمن وثق المبهم احتمال ضعيف، فلا نرد الصريح لاحتمال ضعيف ، ثم إن الموثِّق أعلم بشيخه من غيره ،وعلى ذلك: فيُقْبَل هذا من الإمام مالم تظهر نكارة ، أو يطعن إمام في صحة الحديث بسبب وجود المبهم الموثِّق ، أو لشئ آخر .
وأما مَنْ رَدَّه: فلأن الإبهام يوعِّر الطريق في الوقوف على حال هذا الرجل عند غير هذا الإمام، وإضرابه عن تعيين اسم شيخه يُورِثُ الرِّيبة التي تُوقِع التردُّدَ في القلب [1] ، وادعاء أن احتمال مخالفة الغير احتمال ضعيف: يرده الاختلاف المشهور في كثير من التراجم،فيكاد يكون الاختلاف في الرواة أكثر من التراجم المتفق عليها جرحًا أو تعديلًا ، وكون الأصل قبول خبر العدل، لا يمنع من رد قوله أحيانًا، ولذا نرى المجتهد لا يُلزم بقول مجتهد آخر، فربما رده وربما قبله، وربما ذكره وأحال العهدة على غيره دون بيان موقف منه .
والأمثلة التي ذكرها الفريق الأول يجاب عنها بأن النخعي يروي عن جماعة عن ابن مسعود لا عن واحد عنه، فالجمع يجبر الجهالة في هذا الموضع، وحميد ثَبَّتَه ثابت فيما لم يسمعه من أنس، فالواسطة معلومة العين والحال، أما أبو عبيدة فقد أخذ عن ثقات أصحاب أبيه، كما ذلك كثير ممن قبل روايته عنه ، وهم معروفوا العين والحال.
(1) انظر"التدريب" ( 1 / 310 - 311 ) .