فهرس الكتاب
5-ومن ذلك قول الراوي عن نفسه:"ما كتبت سوداء في بيضاء"أو"ما يضُرُّني أن تُحْرَق كتبي"ونحو ذلك مما يدل على إتقانه لحديثه .
6-باختبار الراوي، وللاختبار صور ، منها:
أ - أن يأتي إليه أحد أئمة الجرح والتعديل، فيسأله عن بعض الأحاديث ، فيحدثه بها على وجه ما ، ثم يأتي إليه بعد زمن، فيسأله عن الأحاديث نفسها ، فإن أتى بها كما سمعها منه في المرة الأولى ؛ علم أن الرجل ضابط لحديثه، ومتقن له ، أما إذا خَلَّط فيها، وقَدَّم وأَخَّر؛ عَرَفَ أنه ليس كذلك ، وتكلم فيه على قدر خطئه ونوعه، فإن كانت هذه الأخطاء يسيرة عددا ونوعا؛ احتملوها له إذا كان مكثرا، وإلا طُعِن فيه.
ومسألة كثرة الخطأ وقلته مسألة نسبية ، ترجع إلى كثرة حديث الراوي وقلته ، فمن كان مكثرًا من أحاديثه الصحيحة، وأخطأ في أحاديث قليلة ؛ احْتُمِل له ذلك الخطأ ، كمن كان عنده عشرة آلاف حديث - مثلًا - وأخطأ في عشرين حديثًا منها ، وهذا بخلاف من لم يكن عنده إلا حديث واحد - مثلا - وأخطأ فيه، فمثل هذا يكون متروكا، أو كمن عنده عشرة أحاديث، وأخطأ في خمسة منها ؛ فهذا يطعن فيه مع أن الخطأ في عشرين حديثًا ،أو خمسين حديثًا، لا يضر من كان مكثرًا، واسع العلم والحصيلة .
إلا أن النظر لا يقتصر على مسألة القلة والكثرة فقط، بل يُراعَى في ذلك أيضًا نوع الخطأ: فقد يكون الخطأ قليلًا، إلا أنه فاحش، فيذهب بحديث الراوي، كما جاء عن الدارقطني أنه قال في الربيع بن يحيى بن مقسم: حَدَّث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر ، قال: جَمَع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بين الصلاتين ، ثم قال: وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولاجمل ، وهذا يُسقط مائة ألف حديث"وقال أبو حاتم في"العلل":"هذا باطل عن الثوري"اهـ [1] ."
(1) انظر"تهذيب التهذيب" ( 2 / 227 ) .