فهرس الكتاب
مثال ذلك قوله تعالى في المحرمات من النساء لما عدها ? حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ? [النساء:23] إلى آخره، ثم قال بعدها ?وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ? [النساء:24] (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ) (مَا) هذه من ألفاظ العموم، فيستدل بهذه الجملة من الآية على أنّ كل امرأة لم تذكر في المحرمات بهذه الآية فإنها مباحة لدليل قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) هذا عموم من القرآن، لكن خُص بالسنة بقوله عليه الصلاة والسلام « لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمّتِهَا، وَلاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا» يعني أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، فهذا مما جاء في السنة، وهو تخصيص لهذا العموم المستفاد من قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) .
كذلك قوله تعالى ?وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ? [الأنعام:141] (وَآتُوا حَقَّهُ) يعني كل ما خرج من الأرض، خَصت منه السنة أشياء من أن الذي يجب أن يؤتى الحق يوم الحصاد؛ هو ما يكال ويدّخر، وأما غيره فإنه لا يجب ذلك فيه، وهكذا في أمثلة كثيرة، وهذا من المهمات؛ يعني أنْ يُعلم أنّ الكتاب يخص بالسنة.
وقد ادعى الظاهرية كداوود وابن حزم وجماعة؛ ادعوا أن التخصيص إنما يقع بالسنة فقط، وأما تخصيص الكتاب بالكتاب فإنه ليس بوارد، وذلك أن التخصيص نوع بيان والله جل وعلا قال لنبيه ?وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ? [النحل:44] فالمبيِّن هو النبي صلى الله عليه وسلم يعني بالسنة، فخرج عن كون القرآن مبينا، والتخصيص نوع من البيان، ولهذا قالوا إنه لا يصلح التخصيص إلا بالسنة.
وهذا يقابل قول آخرين أنّ التخصيص لا يكون بالسنة، وإنما يكون بالقرآن.
وكلا القولين غلط؛ لأن التخصيص جاء بوضوح في القرآن، وجاء بوضوح أيضا في السنة.
تخصيص السنة بالقرآن، أيضا السنة تخص بالقرآن. وأيضا السنة تخص بالسنة.